ما أسعدنا بربنا
ذة.لطيفة علوش 1 دجنبر 2009
ثياب بيضاء هنا وهناك وتكبير يعم البقاع، ورائحة الشواء تزكم الأنوف، وأطفال بملابسهم الجديدة والأنيقة يمرحون ويفرحون، والعيدية توزع عليهم فتزيدهم بهجة وسرورا. إنه عيد الأضحى المبارك، منحة إلهية وعطية ربانية. فما السر في أنه يأتي دائما بعد تعب ونصب؟ وماذا نستفيد نحن من رحمة ربنا بنا وعطفه علينا؟.
من قال أن ديننا دين رهبنة؟
قد يلبس علينا إبليس اللعين أمور ديننا فنعتقد أن قمة الإيمان والترقي في معراج الإحسان يتحقق لمن أطال التجهم، وقطب جبينه ومحا الابتسامة من محياه، وارتدى من الثياب أخشنها وأوسخها، وانتقى من أساليب الحوار ومناهج الخطاب أعنفه وأغلظه. وبذلك تستعلي نفوسنا، ونحسب أننا حراس الدين وحماة العقيدة فنتطاول على الفتوى - وإن كنا لسنا أهلا لها- فنحلل ونحرم دون قيد أو شرط ويصبح فن التوبيخ واللوم أحسن ما نتقن بل نجعله هوايتنا المفضلة، وكأن الرسول الكريم الذي ندعي أننا نقتفي أثره أرسله الله ليجعل حياة الناس بؤسا مستمرا وحزنا طويل الأمد؛ والحقيقة عكس ذلك فوالله ما أرسل البشير صلى الله عليه وسلم إلا لينشر في الكون الأمن والسلام فتعم البهجة والسرور، وينعم الناس بحياتهم قبل مماتهم، ومن ثم كانت دعوته كلها صلى الله عليه وسلم تؤكد هذا المعنى وترسخه فهو القائل لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: «بشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسرا» وهو من اعتبر الابتسامة في وجه المسلم صدقة، كما أنه عليه الصلاة والسلام نفى الخيرية عمن لايستطيع أن يحقق التآلف مع محيطه فقال: «لا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف.« ولن يألف الناس الفظ الغليظ بل سينفضون من حوله ويألفوا كل لين كيس، يحب لهم الخير ويسعى بينهم بالرحمة والرفق، فقد جاء في الأثر« أن الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أرحمهم بعياله».
كما أنه صلى الله عليه وسلم بلغنا ذلك بواسطة سلوكه القويم وخلقه النبيل، فقد كان يلاعب الصبية، ويجعل ظهره الشريف مركبا طاهرا للحسن والحسين، ويساعد عائشة رضي الله عنها على الفرجة ومشاهدة الحبشة وهم يرقصون، و يسمح لها باللعب والاحتفال بالعيد مع صويحباتها، وكان يمازح المرأة العجوز مزاحا صادقا موافقا للشرع، وبالإضافة إلى ذلك فقد كان صلى الله عليه وسلم يقر أعمال بعض الصحابة المولعين بالدعابة والمرح ويباركها مثل الصحابي الجليل سيدنا نعيمان رضي الله عنه، الخفيف الظل الذي كان يضحك الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان يقول عنه «يدخل النعيمان الجنة ضاحكا». فهكذا علمنا صلى الله عليه وسلم وهكذا دأب الصحب الكرام على نهجه.
ما أسعدنا بربنا
رب رؤوف رحيم يعمنا فضله ويشملنا كرمه فمن كرمه أنه تعالت عظمته يهبنا محطات للترويح عن النفس كي لا تمل ولا تكل. فعيد الفطر يأتي بعد شهر من الصيام والذكر والقيام، فيستريح الإنسان ويمرح مع عائلته وأصدقائه... وعيد الأضحى يأتي بعد مناسك الحج، وبعد أن ابتلى الله سيدنا إبراهيم عليه السلام في ابنه، فلما استسلم لقضاء ربه وخضع لبارئه، ولما أسلم إسماعيل عليه السلام وتله للجبين قال له الله كما جاء في الأثر«يا إبراهيم وهبت قلبك للرحمن وقدمت نفسك للنيران وابنك للقربان فمن أجل ذلك اتخذناك خليلا.» وكان جزاؤه أن فداه بذبح عظيم وجعل هذا الاحتفال باقيا مدى الدهر كي تشارك الأمة كلها فرحة سيدنا إبراهيم عليه السلام بفلاحه.
ولنا في ذلك كله آية وعبرة هي أن ديننا لا رهبانية فيه بل هو دين يسر فيه مجال للمرح والفرح ولا يخلو من الدعابة والفكاهة الصادقة المنضبطة، كما أن مولانا يحب أن يرى أثر نعمته على عباده وأنه تعالى جميل يحب الجمال. فلنغتنم مواسم فرح ربنا بنا ولا نحرم ما أحل الله لنا بل نسعى إلى نشر المحبة ولنجعل الابتسامة تعلو محيا العالمين، ولنأخذ بالعزيمة ونجعل غيرنا يأخذ بالرخصة ولنكن دائمي الابتسامة حتى عندما تكون قلوبنا منكسرة خاشعة لمولاها.
جعلني الله وإياكم من الصادقين آمين آمين والحمد لله رب العالمين.