| في زمن يكاد يطغى فيه الزيف والنفاق وتنطمس فيه الفطرة، وتفقد فيه المرأة كما الرجل إرادة التغيير، وهم الإنعتاق من قيود إرث ثقيل يشل من المجتمع نصفه، ويحكم عليه بالعجز والإعاقة. وفي زمن نستشرف فيه صبحا يقترب بإذن الله تعالى ليصدق بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تشرئب أعناق المؤمنات وتهفو قلوب الأمة وعقولها إلى نماذج الصدق.. |
|
| يحفل تاريخ الأمة بنماذج الصالحات. نساء سمت هممهن عن ضيق الهموم المقيمة، فأثمرت محبة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وصدقا في طلب ما عند الله، بإرادة اقتحمن بها العقبات وسخرنها لتعبئة الأمة وبنائها، فربين وعلمن وجاهدن وأصلحن وشاركن بالفعل والحضور المؤثر في حياة الأمة.. |
|
| من لنا إذن بسيرهن النابضة بالحياة، الشاهدة بالحق نستنطقها ونقرأ فيها أسرار تلك التربية التي بوأت المرأة مكانتها وأهلتها لتنال حظها من السعي والجهاد. |
|
| عبر هذه النافذة ندعوكم إلى أن نتوقف عند نماذج من نساء صدقن، لنا فيهن الأسوة والمثال. لكن توقفنا ليس رجوعا بالتاريخ إلى الوراء، ولا سردا للحكايات، ولا حنينا صرفا إلى الماضي. بل هو قراءة واعية لتاريخنا، تمكننا من فقه واقع المرأة المسلمة في زماننا، وأسباب تراجع مكانتها في المجتمع. فقها نسخره بحول الله تعالى للتغيير والتجديد على خطا تربية الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي حرر إرادة المرأة، وسمى بهمتها لتطلب المعالي ابتغاء مرضاة الله عز وجل. إنه تشوف إلى مستقبل الأمة وحياتها.. |
|
| يقول الحق عز وجل في سورة الأحزاب : "من المومنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم. إن الله كان غفورا رحيما " الآيتان 23-24. في هذه الآيات يثني الله عز وجل على رجال قدموا أرواحهم برهانا على صدقهم في ما عاهدوا الله عليه، وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وما بدلوا تبديلا. |
|
| ولئن كانت مناسبة الآية الكريمة استشهاد سيدنا أنس بن النضر رضي الله عنه بعد أن قطع على نفسه عهدا مع ربه قائلا : "...لئن أراني الله تعالى مشهدا فيما بعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرين الله عز وجل ما أصنع". فقاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد حتى قتل، و وجد في جسده بضع وثمانون بين ضربة وطعنة ورمية. فقد عرف تاريخ المسلمين نساء وقفن مواقف الرجال الصادقين، وسجل فيها ثباتهن. |
|
| ألم تعاهد سيدتنا أسماء بنت يزيد مع نسيبة بيعة الجهاد، مع الإثني عشر صحابي يوم العقبة المؤسسة البانية، فوفت ما عاهدت الله عليه في عهد عمر رضي الله عنه، حين قتلت يوم اليرموك تسعة من الروم بعمود فسطاط؟ ألم تعط مع أخواتها اليرموكيات مثالا للثبات الرجولي في موقف رهيب، عمدن فيه إلى خيامهن ينزعن أعمدتها ويقاتلن بها المشركين؟ |
|
| وقبلهن، ألم تضرب أم عمارة مثالا للبطولة في غزوة أحد يوم انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وقالت : "فقمت أباشر القتال، وأذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف، وأرمي عن القوس حتى خلصت الجراح إلي ". ويوم حنين إذ انهزم المسلمون ساعة من نهار كانت أم سليم تتحدى الأعداء بخنجرها. |
|
| من المومنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ومنهم نساء صدقن أيضا. ولم تكن الرجولة يوما حكرا على الذكور من أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كانت المؤمنة الصالحة، ولا زالت، تقف في درجة الرجل لكي يسمو بنفسه فلا يتدحرج في خطوات الشيطان. |
|
| همنا من هذا المنبر أن نبحث عن سر تلك التربية التي سمت بنساء الإسلام فتخطين حواجز الإقبال على الدنيا، واقتحمن العقبات استعدادا للآخرة وطلبا لوجه الله. |
|
ونحن نضطلع بمسؤولية تجديد ديننا، نحتاج إلى أن نستلهم من نماذج شامخة في تاريخنا، وفي عصرنا أيضا، العظات والعبر. وأن نحيي سننا ومعاني جمدتها أفهام، وعطلتها قلوب مريضة بمرض الأمة. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين "تساهم المومنات في تنحية أنقاض ماضي الفتنة ونواقض حاضرها، لنبني على الأصول مجتمع العدل، وعمران الأخوة، وكيان القوة والكفاية".. |
|
| وفقنا الله جميعا للاقتداء بهؤلاء النساء الصادقات، حتى نتبت أن رحم الأمة لم تعجز، ولن تعجز عن إنجاب نساء عاليات الهمة، طالبات للمعالي، مبتغيات بذلك رضى الله عز وجل في الدار الآخرة. و وفقنا للمساهمة في هذا المشروع المجتمعي الذي يرمو تربية هذه النماذج من النساء، اللواتي يحاكي صدقهن صدق من سبقهن بإيمان. آمين. |
|
|