قضايا > قضايا معاصرة بعيون نسائية
من المهد إلى اللحد
ذة.نادية بلغازي- 2009/09/15
"اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد" وصية نبوية خالدة تكسي العلم طابع الفرضية اللازمة طوال الحياة، وتجعلنا وغيرها من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم ملزمون بطلبه في أي مكان تدركه بطون الإبل بل محركات السيارات وأجنحة الطائرات. يقيني راسخ أن الأمنيات لا تنال بالتمني ولكن الحقائق تدرك بمعالجة متطلباتها حتى تصير نقية واضحة، والحقيقة تقول أن بؤسا شديدا تعيشه منظومتنا التعليمية وتخبطا كبيرا يعيشه أبناؤنا، فلذات أكبادنا: تكدس في البرامج وارتجالية في التخطيط واكتظاظ داخل أقسام التعلم وطول في المقررات ولائحة تطول وتطول يتوجها نوع من الزبونية التي أصبحت سمة التعامل داخل الحقل التعليمي يؤدي تبعاتها الآباء خصوصا، من جيوب لا تنتج ذهبا ولا فضة ولكنها تزيد عيشهم ضيقا وضنكا والحول لله رب العالمين... في ظل تراجع البنيات التحتية للمؤسسات التعليمية والمستوى التعليمي بشكل عام مع ضعف القدرة الشرائية للمواطنين وقساوة الظروف الاجتماعية... تتقاذف الوسط التعليمي الكثير من المخططات التي منها ما يكتسي طابع الاستعجالية ومنها ما يكتسي طابع الإصلاح أو إعادة الإصلاح. أين يكمن الخلل؟
هل الإشكال في المدرس الذي يريد حدا معقولا من الكرامة والعيش المحترم ليتمكن من أداء مسؤوليته التي تنوء بحملها الجبال الراسيات بأريحية ودون أن يكون بحاجة لمد اليد، أم الإشكال في تلميذ يتجرع كأس الظروف الاجتماعية المقيتة وفقد الأمل في عاقبة التعلم حينما عايش أخا معطلا أو جارا أو قريبا قد أنهكته مسيرات المطالبات وقصمت ظهره عصي التدخل السريع أمام قبة البرلمان.

يسوؤني حقا ولا أرتضي سماع النكث الحقيقية أو المفتعلة لإثارة ضحك عز داخل وطننا الحبيب حول أطراف التعليم وشركائه الفعليين، طرائف تركز خصوصا على التلميذ الذي تراجع مستواه حتى أضحى لا يميز بين خلع النعل وإخافته، ومدرس لا يُستهزأ سوى ببخله وطمعه وسلالمه حقه المغتصب.

الحياة لا تسير إلا بالتوازن الحاصل بين الحقوق والواجبات والتي لا ينبغي أن تطغى إحداهما على الأخرى، لكن هيهات هيهات حينما تسوء الأحوال فترتفع المطالبات بالحقوق ويغفل عن أداء الواجبات، فهذا التلميذ عوضا عن أن يجِدَّ في الطلب ويقدس حرمة التعليم التي جعلها الله أول خطاب يلتقي به خبر السماء بخبر الأرض، تجده يلهو ويغفو حتى إذا أزفت ساعة الحقيقة ساعة الامتحان يوم ينفع الصادقين صدقهم، ظن الغش حقه المكتسب. والمدرس ذلك المسؤول المستأمن الذي ما ينبغي له أن يدع المثبطات المحيطة تؤثر على جودة أدائه وفاعليته وصدقه وقوة كفاءته، ذلك العبد الموكلة إليه مهمة الأنبياء عليهم السلام، مهمة التبليغ والتعليم والدعوة، كيف يؤديها بصدق توجه وكفاءة عالية وأمانة شديدة؟ ذاك المدرس الذي كاد أن يكون رسولا، لا أصدق ما يحكى عن متاجرته بعلامات المتعلمين واستنزافه لجيوب آبائهم وتقديره لمجهوداتهم بمعيار الدفع أول كل شهر...
لا أتصور أن يكون التعليم حقلا للارتشاء كما لا أستسيغ أن يغش المدرس أثناء أداء وظيفته تحت مبرر أن المسؤولين غشوه ومنعوه حقوقه. كيف تؤاخذ الضحية بالجلاد؟ "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول".
لكل قاعدة استثناء فكيف إذا كان المستثنى هو من يخالف الأصول.

الشاذ لا حكم له ولكن حين تسوء السمعة وتؤثر السمكة النتنة على الحِمل بمجموعه فتنقلب الموازين ويصير في الأذهان الاستثناء قاعدة.
خاطبت المعلم وخاطبت المتعلم، لكن من يتحكم في واقعنا بشكل عام وفي منظومتنا التعليمية بشكل خاص بكل أبعادها تخطيطا وبرمجة وتسييرا وتنزيلا لم أخاطبه ليس فقط لأنه يتعامل مع التعليم بعقلية مخزنية مقيتة، بل أساسا لأنه لا حياة لمن تنادي.

ومع ذلك حري بي أن أختم مقالتي هاته بكلمة تلح على قلمي المتواضع.
لابد من تغيير العقليات التي تنظر إلى التعليم على أنه مجال سلبي عقيم تصرف فيه الدولة ميزانيتها دون أن تكسب، الكسب الحقيقي يأتي، كما لا تخالفونني قطعا أيها الأحباب، بعد سنوات التكوين المتين حينما نجد أنفسنا بإذن المنان مع ثمار قد أينعت وحان قطافها، ثمار تعز غد الإسلام ولا تذله، ثمار تقلع بالوطن نحو الأمام ولا تهجره لترتمي في أحضان الحيتان المفترسة في طريق الهجرة السرية القاتلة.

لا مجال لإصلاح منظومتنا التعليمية إلا بالإصلاح الجذري والشامل للظروف الاجتماعية وإقامة العدل وإعادة الاعتبار لفريضة التعلم من خلال إحاطتها بكل عوامل النجاح والسداد.

"اتقوا الله ويعلمكم الله" آية ترجمها واقعا الإمام الشافعي رضي الله عنه حينما اشتكى إلى معلمه وكيع سوء حفظه:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي ****** فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبـرنـي بأن العلم نـور ****** ونور الله لا يهدى لعـاصي
كل أمة تحترم نفسها وتريد لها مقاما عاليا بين الأمم تجعل من أولوياتها الاهتمام بالتعليم وإلا فعلى الدنيا السلام، لأن من ضيع الأصول حرم الوصول دنيا وأخرى.