مع الأسرة > الزواج
لك مني كل التقدير والإجلال أيتها الزوجة الفلسطينية
ذة.وفاء توفيق 19 ماي 2009
تبدو السيدة سلوى على غير عادتها في المرح ولطف النكتة المعهودتان فيها وهي تستقبل ضيفات لها في موعد كن قد حددنه مسبقا، بل حتى ابتسامتها التي لا تبخل بها على كل من تقابله من بنات جنسها ناهيك عن صويحباتها، تبدو ذابلة شاحبة آفلة دون بريق ولا حياة... اغتنمت الضيفات غياب سلوى وانشغالها في المطبخ لإعداد بعض القرى لهن فتهامسن عن سبب ما لاحظنه في سلوى من تغير الحال وشرود الذهن... مع تفطنهن أنها تعمل جاهدة على أن تتظاهر بخلاف ما يخالج كيانها إكراما واحتفاءً بهن، كما هو معهود فيها تجاه كل من يزورها أو يقابلها. اتفقت الضيفات على أن يستأذن من سلوى بلطف وينهين الزيارة بحجة بعض الانشغالات الطارئة، ظنا منهن أن سلوى يجثم على صدرها هم عظيم قد تحتاج معه إلى البقاء وحدها لتنظر فيه، وأن بقاءهن عندها – وهي على ذاك الحال - أمر مناف لذوق المسلم وأدبه.
وقبل أن تبادر مفوضتهن بطرح ما اتفقن عليه من انصراف لبق، جاءت سلوى بمشروب مع بعض الحلوى وقدمته لضيفاتها، ثم أسرعت وشغلت جهاز التلفاز على قناة إخبارية تغطي بالبث المباشر ما يقع لإخواننا في غزة على أيدي الصهاينة المغتصبين... وكأنها تشرك ضيفاتها في ما تجده من هم جراء ما يقع للمسلمين المرابطين في الأرض المباركة "بلاد المقدس" من ظلم وجرائم عدوان وكل ما تتقاعس كلمات كل لغات العالم عن التعبير عن فظاعته وهمجيته ووحشيته.
وكأن الضيفات بدأن يتحسسن سبب ما تعانيه مضيفتهن، ليزددن تأكدا من ذلك مع كل حسبلة وحوقلة واسترجاع تنطق به سلوى معلقة على مشاهد الدمار ووحشية القتل ... الذي تغطيه تلك القناة التلفزية، فتراجعن عما اتفقن عليه من الاستئذان الفجائي للانصراف ترجيحا منهن أن بقاءهن عند سلوى - ولو لبعض الوقت - قد يخفف عنها بعض ما تعانيه جراء هذه الجرائم الصهيونية على إخواننا العزل إلا من الإيمان الراسخ بالله تعالى، والاعتقاد الجازم بوجوب الجهاد ضد العدو المحتل الغاشم، واليقين الذي لا ريب فيه بموعوده سبحانه بالنصر والتمكين لكل من آمن به وعمل صالحا...
نظرت سلوى في وجوه ضيفاتها بعينين تحملان رؤية عميقة واسعة سائلة: أعبثا ومصادفة أن ترصد دبابات وطائرات وكل أسلحة العدو الصهيوني النساء والأطفال؟ ! وليقينها أن ضيفاتها وكل العالم يعرف الجواب استرسلت قائلة: لا أخفيكم أخواتي أن الحرب على مرابطي غزة حبلى بالعبر والدروس والعظات، وأنها تحمل في طياتها خيرا كثيرا رغم ما يبدو فيها من شر متطاير. إن مواقف أهل غزة تعد مدرسة جديرة بالتتلمذ على يد أساتذتها من رجال ونساء وأطفال ورضع، بل وحتى الأجنة منهم... أتتفقن معي حبيباتي أن بؤرة ذلك كله وذروة سنامه المرأة الفلسطينية: سيدة نساء الدنيا الآن بلا منازع، فهي منبع القوة: قوة الجهاد والصمود والصبر والرباط...
فجأة تعرض الفضائية - ضمن تغطيتها المباشرة للحرب المسعورة على غزة – صورة زوجة فلسطينية مجاهدة وهي تستقبل نبأ استشهاد زوجها الذي كان مرابطا في أحد الثغور بالزغاريد والحمد والشكر لله الذي شرفها بشهادة زوجها، راجية منه سبحانه وتعالى أن يثبتها ويعينها على تكملة مشوار الجهاد ومقاومة المحتل الصهيوني الغاصب بعده، حتى يتحقق موعود الله بالنصر والتمكين للمؤمنين - وهي على يقين من حصوله وتحققه- ورجاء اللقاء بزوجها ثانية وهما في زواج أبدي في جنات الخلد عند مليك مقتدر...
اهتزت الغرفة التي كان تتواجد فيها سلوى وضيفاتها بالتكبير والتهليل والتسبيح والحمد لما حباه الله تعالى لهذه الأمة من نعم وكنوز تجسدها هذه الزوجة الفلسطينية- بل الأسطورة الفلسطينية- وغيرها من الزوجات الفلسطينيات بتصريحاتهن التي أذهلت كل العالم، وبمواقفهن البطولية التي خشعت لها كل الدنيا والمتمثلة في دورهن المحوري في عملية الجهاد والصمود والنصر، وذلك بتحفيز أزواجهن على الجهاد، ومشاركتهن في تحقيقه وإنجاحه – على الواجهة المادية - بتصديهن لجبهتهن الداخلية والقيام بشؤونها إعفاءً للزوج من الانشغال بمتطلبات الأسرة، ومن الجانب النفسي بصمودهن وطمأنة أزواجهن على أن اللقاء الحق والأبدي هو على سرر متقابلة حيث لا صخب ولا نصب... كل ذلك وغيره لا يمنع الزوجة الفلسطينية من القيام بوظيفتها الطبيعية المتمثلة في إنجاب جيل فريد من الأطفال، فتسعى جاهدة إلى إرضاعهم لبان الجهاد والمقاومة وعدم الخضوع أو الخنوع، فتجد أصغرهم له قدرة خارقة على الوقوف أمام الدبابات الصهيونية يرجمها بالحجارة فيخنس من بداخلها من أحفاد قتلة الرسل والأنبياء.
في هذا الجو الخاشع قالت سلوى بتلقائية: يا ألله: كم درسا نستفيده منك أيتها الزوجة الفلسطينية، الكثير منا ظن أن عصر الصحابيات والبدريات واليرموكيات ولى من غير رجعة، وأنهن لم ينلن ما نلنه من تبشير نبوي بالجنة وعلو درجة وعظم مكانة ورفعة قدر... إلا لكونهن صحابيات، وأن غيرهن لا نصيب لهن مما سبق... فتأتي ملاحمك لتزعزع هذه المغالطات وتراجعها.
تدخلت إحدى الضيفات مؤكدة ما عبرت عنه سلوى قائلة: إن المرأة الفلسطينية عموما، والزوجات منهن على وجه أخص قدمن لنا بمواقفهن وتصريحاتهن العفوية والتلقائية دروسا في تجديد فهم الدين، ومنه فقه عظم دور المرأة والزوجة ومحوريته في أي تغيير.
ردت ضيفة أخرى قائلة:حقا سلوى، كنت أظن أن دور الزوجة يختزل في تحصين الزوج وإنجاب الأطفال فقط، وأن ليس لها دور عدا ذلك، حتى بينت لنا أحداث غزة أن الجهاد ومناصرة الحق، وإزهاق الباطل تسهم الزوجة في إنجاحه وتحقيقه...
ما أحوجنا إلى التتلمذ على يديك أيتها الزوجة الفلسطينية، فنتعلم على يديك مفهوم حسن التبعل للزوج، ونجدد مفهومنا لإنجاب الأطفال، ونعيد تجديد فهمنا لدور المرأة ومكانتها في المجتمع المسلم... حتى تضحى بيوتنا رمزا للعزة ونصرة الحق، بل والاستماتة في طلبه والحفاظ عليه.
وأنت أيها الزوج الفلسطيني، طوبى لك زوجتك التي فهمت دينها، وأتقنت القيام بدورها، فكفتك المتاعب الناجمة عن الفهم المعوج للدين، وكفت الأمة مزيدا من الانحطاط والبؤس الناتجان عن التأويل المنحرف للنصوص الشرعية مثل الرأي الذي يختزل وجود المرأة في إشباع شهوات الرجل وإنجاب أطفال له، وأن ليس لها إلا خرجتان في حياتها: الأولى إلى بيت زوجها، والثانية إلى قبرها .
جعلنا الله وإياكم ممن قال فيهم الحق تبارك وتعالى: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء ...) الطور/من الآية 19