قضايا > حدث بارز
غزة : درس في الإرادة
ذة.كلثوم أيت أزوبير 13 يناير 2009
في لحظات تأمل حزينة على واقعنا المهزوم، وأنا أقول في نفسي إلى متى سنبقى في أسفل المنحدر، شباب يتمرغ في أوحال الرذيلة، وأطفال كقطعان قطط مشردة مهملة و منبوذة، وأسر مفككة، ونساء سجينات الجهل و الفقر، مسلوبات الإرادة و الكرامة، ونظام سياسي قامع للحريات جاثم على الأنفاس... و نفسيات بائسة يائسة لا ترى للتغيير أي سبيل.
فإذا بالحدث المفجع و المبكي ، الحدث الذي هز العالم وحرك قلوب الإنسانية جمعاء، غزة ومحنة غزة، غزة الإباء، ذاك الجزء الملتهب من فلسطين الحبيبة، الذي أعطى العالم درسا في الإرادة و الشموخ.
هو مفجع إذ نرى الأطفال يقتلون بدم بارد أمام أنظار العالم، وشعبا أعزل تقطع أوصاله بآليات حربية مدمرة بلا هوادة. وهو كذلك لأن محنة أهلنا هناك لم تحرك مشاعر قادتنا و حكامنا كي يهبوا لنصرتهم بل حتي لم يتجرأوا على إدانة ما يجري هناك من إبادة عرقية. آثروا الصمت خوفا وتملقا لقادة الاستكبار.
أما الجزء المبشر في هذا الحدث المؤلم فهو هبة الأمة بعد أن أوشكت على لفظ آخر أنفاسها،هاهي ذي تنتفض وتحيى من جديد، وتكسر حاجز الصمت الذي فرض عليها قهرا من قبل الأنظمة الجبرية الظالمة، بل هبة العالم،هبة كل من له قلب وغيرة على الإنسانية ويأبى الظلم.
خرج المسلمون في مسيرات حاشدة ليخبروا العالم أجمع عن أمة الحبيب المصطفي صلى الله عليه وسلم سيد المبتلين و إمام الصابرين، أنه مازال فيها عرق ينبض قامت وكسرت قيد الصمت نصرة لإخوتنا في فلسطين، وما نراه على شاشات التلفاز من مظاهرات مليونية للمسلمين من المحيط الى الخليج لأكبر دليل وبرهان.
بشراك يا غزة ويا أهل غزة، ما رأينا لصبركم مثيلا، ها أنتم تعيدون حلقة من حلقات التاريخ المنصرمة وكأننا نشاهد آل ياسر من جديد أمام اعيننا وهم يتحدون نار وبطش وتعذيب وتقتيل قريش فما وهنوا وما استكانوا ، فصبرا آل غزة فإن موعدكم الجنة.
بشراكم آل غزة فمحنتكم قريبا تغدو منحة للأمة جمعاء، دفعتم أنتم ثمنها من دمائكم.. فلا ضير، بشراكم بهذا الاصطفاء الرباني، فكذلك يختار الله من أحبته من يشاء. كنتم سببا في إخراج هذه الأمة من وراء قضبان الهزيمة النفسية الجاثمة على صدرها، فعلتم ما عجز المصلحون الاجتماعيون عن فعله في نفوس الكثيرين شبابا وشيبا، نساء ورجالا، أشعلتم بصبركم و صمودكم فتيل إرادة نتمنى أن تتحول من رد الفعل إلى فعل وازن رصين مدروس. أسستم بثباتكم وصمودكم منطق الرفض للظلم، موقف نتمنى أن يخرج الأمة من حالة التأثر إلى حالة التأثير، حتى نستحق بالفعل نيل مرتبة الخيرية كما جاء في قوله عز من قائل: " كنتم خير أمة أخرجت للناس" الآية.
فبشراكم يا شهداء غزة يا أحبتنا وسادتنا سبقتم إلى مغفرة من الله و نلتم الرضوان فإلى جنات النعيم والقرب من عرش الرحمن الرحيم.