الربانية > آداب وأخلاق
مشاهد...
ذة.نادية بلغازي 9 يناير 2009
كم أتحمل بعض المشاهد على مضض، إنها لا تروقني.. إنها تنافي الذوق الرصين والأدب المتين.
هي كثيرة ومتنوعة، نكاد نقف عندها بين الفينة والأخرى، بل في الكثير من الأحيان والأزمان والأماكن. كم تسوؤني الملابس المتدلية من شرفات الشوارع الأنيقة، وإذا كانت لباسا داخليا فذلك أشد وأنكى فبالإضافة إلى كون ذلك منافيا للذوق فإن من شأن دخان السيارات والحافلات أن يسود لونها ويذهب رونقها.
كم تسوؤني العورات في شوارع بلادي ورسم تفاصيل الأجساد بالملابس الضيقة الرقيقة، ولكن يسوؤني أشد نصيحة جافة عنيفة لفتاة أخلت بغطاء الرأس، وهي ترجو أن تحتضنها هداية السماء، وما أخلَّت بالحياء، فتسيل دموعها وافرة وهي تنصت لامرأة في مسيرة تضامنية مع إخواننا في غزة الحبيبة الحبيسة، هي التي تحاملت على نفسها وتحدت مرضها من أجل أن تحضرها غيرة على الإسلام وعلى أمته المغلوبة على أمرها. قالت لها معنفة: " بسببكن لم يتنزل النصر، أين غطاء الرأس أين؟".
كم يسوؤني عدم احترام الدور في الحافلة أو شبابيك القطار أو المتجر أو غيرها، الخروج عن الصف جريمة كبيرة في حق الآخرين، ولكن تسوؤني أكثر رؤية طوابير الشعوب الجائعة الطويلة تنتظر دورها لتنال نصيبها من الفتات وقد لا تنال.
كم تسوؤني السيارات المسرعة في الشوارع أيام المطر التي لا تراعي حرمة الراجلين فتبلل ملابسهم وتفسد مظهرهم، لكن منظر الأجساد المتناثرة في الشوارع والبيوت المهدمة على رؤوس أصحابها والسيارات المفخخة التي تروع الآمنين تغور جرحى وتضاعف آلامي. إنها جرائم بشعة ضد الإنسانية.
كم يضيرني صمت علمائنا وتواطؤ حكامنا وبلادنا المسلمة مستباحة, أطفالنا شردوا في غزة والعراق والشيشان وأفغانستان...نساؤنا رملن، تقتيل وتدمير وأشلاء ودماء على مرأى ومسمع المجتمع الدولي الأصم ومجلس الأمن الأبكم إلا أن يكون الدم المراق لا يمت إلى الإسلام بصلة.
لكم الله يا أطفال بلادي، لكُنَّ الله أيتها الثكالى، لكن الله أيتها الأيامى، لكم الله يا شيوخ وشباب بلادي. شعوب بلادكم العريضة تصرخ وتدعم وتندد وتبكي وتندب حظها الذي أوجدها بين أيادي حكام الذل والانبطاح والتبعية.
يسوؤني السب والشتم والقذف بالكلام الجارح... أو بالأحذية.. إلا أن يكون حذاء شرف وعزة وكرامة ينطق بلسان الشعوب المستضعفة، ويبشر ببقاء الكرامة العربية والأنفة الإسلامية حية بعد أن خشينا فواتها وكنا على وشك قراءة الفاتحة على روحها التي غطت في سبات عميق.
يؤرقني الدمار والحرب والصواريخ والدبابات... إلا أن يكون رميا مسددا من مستضعفين استبيح حماهم فأبوا إلا أن يدافعوا عن الأرض والعرض ولو بصواريخ لم تصنعها القوى العظمى ولا التقنيات العالية بل مادتها ومحركاتها إيمان يشع بعقيدة ثابتة بالقضية، وقناعة راسخة بعدالتها وإن طال ليل الظلم والظلام .
يسوؤني الصوت العالي النكر، ويسوؤني الصراخ والعويل إلا أن يكون في وقفة احتجاجية أو حركة تضامنية مع الشعوب المستضعفة أو مع شعبنا الأعزل في غزة السليبة، غزة الكليمة، في شوارع الرباط أو طرابلس أو أنقرة أو باريس... وإن كنت أوقن أنه مظهر من مظاهر التضامن لا يغني عن إعداد القوة الحقيقية، قوة المجابهة بالعلم والإبداع والتقنيات الحديثة، قوة التضامن بالزاد والعتاد على غرار الأشعريين رضي الله عنهم الذين كانوا إذا أرملوا في الغزو وقل طعام عيالهم في المدينة جمعوا ما عندهم في ثوب واحد واقتسموه بينهم بالسوية فحقت لهم بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم " فهم مني وأنا منهم".
يسوؤني اطلاع المتطفلين على بيوت الناس وما جعل الاستئذان إلا من أجل النظر، لكن على ألا تكون الأبواب معابر لتمرير المساعدات والزاد والدواء، فتغلق دون البشر والحجر انبطاحا لسادة باعوا الديار والشعوب بثمن بخس... بدراهم معدودات وكانوا فيها من الزاهدين.
وتسوؤني أيضا الكآبة والنظرة السوداوية، لأن من سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم الشريفة تعلمنا "من قال هلك الناس فهو أهلكهم"، ويحذوني الأمل في غد مشرق مضيء سيحل على الأمة بإذن الله بعد أن نتجاوز الغثائية، ونشمر رجالا ونساء عن سواعد الجد توبة وأوبة وتذللا بين أعتاب الإله الكريم مفرج الكروب ناصر المؤمنين وهازم الأحزاب.
فيا رب لا تؤاخذنا بما يفعله السفهاء بنا، وأحل الصهاينة المعتدين ومن والاهم دار البوار إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير، إنك أنت القائل وقولك حق يا مولاي: "وكان حقا علينا نصر المؤمنين ".
ونلوذ بحول الله تعالى. وسدد الله رميك يا سواعد المقاومة.