|
| ذة. نادية بلغازي 30 أكتوبر 2008 |
|
| حدثتني مخاطبتي بأسى لا يخفى : "ما بال بعض الناس يفتقدون الذوق في الحديث واللباقة في التواصل؟". فاجأتني بكلام يضم الكثير من المصطلحات التي تحتاج إلى تفصيل، لكني تفاعلت مع خطابها ليقيني الراسخ بوجود همّ يجثم على أنفاسها على اعتبار كرم سجاياها وصالح منبتها. |
|
| قالت: "وأنا مدعوة عند جارتي، قدمت لنا نوعا من الخضر ليس من عادتنا أن نقدمه بنفس الطريقة، فإذا بابنتي
التي لم تتجاوز السنوات الثلاث تقول ببراءة الطفولة : ما هذا يا أمي؟ فانتفضت الجارة مزمجرة وكأنها أمسكتني متلبسة بجرم يستوجب حدا وقالت : "فضحتكِ ابنتك يا فلانة! تحرمينها من هذا الطعام؟، تبسمت بمرارة غير ظاهرة وكنت على وشك التعبير لها عن طريقة التحضير المختلفة التي شوهت في ذهن ابنتي الصغيرة معالم الأكلة فتراجعتُ".
|
|
|
| "تركت الأمور تسير طبيعية، تقول مخاطبتي، دون أن أظهر أدنى تبرم، ونحن على وشك توديعها فإذا بابنتها التي لا أكبرها إلا بسنوات أربع تصل، وإذا بأمها تسألها: هل بادلتِ خالتك التحية؟ ابتسمت لها ابتسامة عريضة لطيفة، وقبلتها بحرارة خالة مُحبة...". |
|
| "فما رأيك يا صديقتي؟ أليست جارتي قاصدة إهانتي وهي التي تدّعي محبتي، أم إن الأمر مجرد سوء تخمين وضعف تقدير وعدم تمرير اللسان في الفم سبع مرات قبل الحديث!".حاولت جهدي تهدئة صديقتي والتماس الأعذار المتعددة لجارتها، وحملها على الصبر والعفو وكظم الغيظ مع عدم تتبع عثرات الناس، ذكرتها بقول الله تعالى : "وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إنّ الشيطان ينزَغ بينهم، إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا" الإسراء، 53. |
|
| لم تمنعني مع ذلك حرارة ومرارة خطابها من الغوص بفكري ووجداني في بحر أدب النبوة الثرار، أتذكر كيف أوتي عليه السلام الحكمة وفصل الخطاب، كيف يَألف ويُؤلف، كيف يحرص على ألا يؤذي أحدا ولو بإشارة، كيف لا يواجه أحدا بكلام يكرهه... بل يُكرم ويُكرم، نفسي له الفداء، حتى تركن له الأنفس فلا تقوى على مفارقته ولو للحظة واحدة، كيف يصدق وإن كان مازحا، كيف يسامح وإن كان غاضبا ولا يغضب إلا إذا انتهكت حرمات الله سبحانه، كيف يعفو وإن ظُلم، كيف يحسن وإن أسيء إليه، كيف يصبر على من آذاه، كيف يحلم على من أساء إليه، كيف أوتي عليه السلام جوامع الكلم ولباقة الحديث، كيف أسر القلوب والعقول بحسن المنطق ولين الجانب واحترام الصغير والكبير... |
|
| أكرم به من دين شُرفنا به، وأنعم به من نبي أمرنا باتباعه عليه السلام. |
|
|