|
| ذة. بسمات نور، 30 يوليوز 2008 |
|
| الغيرة بين الزوجين حصن منيع يحمي العلاقة المتينة بينهما و يجعلها تستمر. وهي أمر طبيعي ومحمود عند الرجل والمرأة سليمي الفطرة، إلا أنها إذا زادت عن حدها فقد تعصف بحياتهما الزوجية إلى حد الانفصال. والدافع إلى الإحساس بالغيرة أن كل واحد من الزوجين يريد أن يمتلك وحدَه الآخر، ويبعد عنه كلَّ شر من شأنه أن يعكّر الصفو الذي بينهما. |
|
|
| أنواع الغيرة |
|
| الغيرة نوعان محمودة و مذمومة، فعن سيدنا جابر بن عتيك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : "من الغيرة ما يحبه الله ومنها ما يبغضه الله، فأما التي يحبها الله فالغيرة في الريبة، وأما التي يبغضها الله فالغيرة في غير ريبة". رواه الإمام أبو داود رحمه الله. |
|
|
|
| الغيرة المحمودة |
|
| هي ما وافقت الفطرة البشرية، و نبعت من فرط حب الزوج لزوجه مما يجعله حريصا عليه، مانعا غيره من الاشتراك معه فيه؛ إلا أن غيرته لا تفضي به إلى سوء ظن أو حسد، ولا تفصم عرى الود والثقة بينه و بين شريك حياته، فيكون حَريا بالزوجين أن يَنْأَيَا بنفسهما عن الشبهات التي تؤجج الغيرة بينهما كإعجاب الزوجة برجولة قريب أو زميل في العمل، أو ذكر الزوج محاسن خطيبة أو زوجة سابقة... تحكي سيدتنا أسماء بنت أبي بكر عن غيرة زوجها سيدنا الزبير رضي الله عنهم أجمعين فتقول : " كنت أنقل النّوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على رأسي وهو مِنّي على ثلثي فرسخ، فجئت يوما والنوى على رأسي، فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من الأنصار فدعاني، ثم قال : إخٍ إخ (إشارة إلى التوقف بالدابة) ليحملني خلفه واستحييت أن أسير مع الرجال، وذكَرت الزبير وغيرته، وكان أغير الناس، فعرف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أني استحييت فمضى، فأتيت الزبير فأخبرته فقال : والله لَحمْلك النوى كان أشد علي من ركوبك معه". رواه الإمام البخاري رحمه الله. |
|
| نلحظ هنا كيف تحملت أسماء رضي الله تعالى عنها مشقة السير قدما والنوى فوق رأسها، مراعاة لغيرة زوجها الزائدة، وتخفيفا من حدتها. كما نلحظ أن غيرة الزبير رضي الله تعالى مهما كانت زائدة إلا أنها لم تكن عمياء، فقوله رضي الله تعالى عنه لزوجته: "والله لحملك النوى على رأسك كان أشد علي من ركوبك معه" يوضح أن مروءته رضي الله تعالى عنه تبدو بارزة بل متفوقة على غيرته الزائدة، بل إن غيرته الزائدة تلك لم تحجب عنه رؤية الأمور في جوهرها وصفائها، فأكد لزوجته أن ركوبها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أخف عليه من حملها للنوى من مكان بعيد... ويوضح هذا المعنى الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله بقوله: " أي كان ركوبها أخف مما تحقق من تبذلها بحمل النوى على رأسها من مكان بعيد؛ لأنه قد يتوهم خسة النفس ودناءة الهمة.. ولكن كان السبب الحامل على الصبر على ذلك، شغل زوجها بالجهاد وغيره.. فكانوا لا يتفرغون للقيام بأمور البيت بأن يتعاطوا ذلك بأنفسهم، ولضيق ما بأيديهم عن استخدام من يقوم بذلك عنهم". |
|
|
| الغيرة المذمومة
|
|
| ما كانت مبنية على الأوهام والشكوك بلا سبب أو دافع وهذا مناف لخلق الزوجين المؤمنَين اللذين تقوم علاقتهما على الثقة المتبادلة و المحبة الخالصة لوجه الله عز وجل. فقد تسيئ المرأة الظن بزوجها لمجرد أنه اهتم بملبسه أو تعطّرَ، بل وترغب في معرفة أدق تفاصيل حياته اليومية : بماذا يفكر، وما قصدُه من كل كلمة أو نظرة أو ابتسامة أو تعليق أو شرود بالذهن...؟ أما الزوج فمبالغته في غيرته تجعله رهين الوساوس والشكوك فينشغل عن أسرته بالبحث والتحري عن دليل يؤكد وساوسه ويدين زوجه، بل وقد يلجأ إلى الضغط النفسي وأحيانا إلى التهديد والتعذيب. كل هذا من شأنه أن يَهدم حياة الزوجين ويجعلها جحيما مقيما في أرجاء البيت مما يستدعي علاجا فوريا حفاظا على شمل الأسرة و اتقاءً لألم الفراق. |
|
|
| رفقا بصاحبي |
|
| على الزوجين أن يبتعدا عن كل ما يثير نار الغيرة بينهما، وأن يرفق كل منهما بصاحبه، وذلك اعتبارا لحاله التي توجب التماس العذر له، لأن المحب غيور بطبعه و في القصة التالية درس بليغ في التأسي بخلقه صلى الله عليه وسلم، و في تلطفه ورحمته ورفقه بأزواجه، روى الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصَحْفةٍ فيها طعام فضربت التي النبي في بيتها يدَ الخادم فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع صلى الله عليه وسلم فلق الصحفة ثم جعل يجمع الطعام الذي كان في الصحفة ويقول : غارت أمكم ثم حبس الخادم حتى أتي بصحفةٍ من عند التي هو في بيتها فدفع الصحفة إلى التي كُسِرَت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرتها. لم تكن تلك الزوجة الغيورة التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم في بيتها سوى أمنا عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، أبانت بفعلها ذلك وغيرتها تلك عن دفاعها المستميت عن حبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحقها في ليلتها معه في بيتها دون ملاحقة باقي زوجاته رضي الله تعالى عنهن. كما يثبت لنا من خلال سلوك الرسول صلى الله عليه وسلم اللطيف والحكيم والعادل تجاه الموقف، عدم معارضته صلى الله عليه وسلم حق زوجته في الغيرة عليه... وهو الزوج الخبير بكون الغيرة – في حدودها المقبولة - أمر طبيعي، كما أنها دليل الحب والوفاء والإخلاص... فقدر لها هذا الأمر، والتمس لها العذر صلى الله عليه وسلم قائلا : " غارت أمكم... "، التماس للعذر بصوت يسمعه الحاضرون، وحل بسيط للمشكل دون توبيخ أو زجر، حكمة بالغة فهل من معتبر. |
|
|
| حلول على الطريق |
|
| وفي الختام أهمس في أذن كل زوجين غيورين ينشدان حياة هادئة ببعض الحلول الناجعة عسى الله سبحانه أن يرزقهما الوفاق و يذهب عنهما الشقاق : - استعينا بالله عز وجل و توجها إليه بالدعاء، لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم لأمنا أم سلمة رضي الله عنها حينما جاءها خاطبا فذكرت له غيرتها، فأجابها صلى الله عليه وسلم : " أما الغيرة فيذهبها الله". فإنه سبحانه بلطفه ورحمته يخفف عنكما ما تجدانه من آثار الغيرة فلا تتجاوز حدود طبيعتكما البشرية، ولا تتسبب لكما في خصام طويل الأمد يصعب معه الرجوع إلى الصلح.- غضا الطرف عن هفوات بعضكما البعض. - تثبتا من طبيعة هذه الغيرة ومعرفة إن كانت حقيقة أم وهما.- تحليا بالصبر فمن شأنه أن يصون عشرتكما ومحبتكما الأبديتين بإذن الله تعالى. - الحوار المستمر بينكما يخرج مشاعركما إلى النور، ويعرف كل منكما كيف يفكر الآخر، فيسعى إلى إرضائه ويبتعد عما يغضبه.- اذكرا محاسن بعضكما بكل صدق حتى تحل الثقة والأمان محل الشك والقلق. ربنا اجعل لنا من أزواجنا و ذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما. |
|
|