تصورنا
أي إنسان وأية حقوق ؟*
2008-05-20
كلمات عن رافعي شعار حقوق الإنسان، وعن كذبهم ومعاييرهم المنافقة، وكلمات موجزة عن مآخذنا المبدئية والسياسية. كلمات جعلناها مدخلا. وندخل في صميم الموضوع وعمقه بإذن الله، لأن الحديث عن حقوق الإنسان، والمعارك المرتقبة تحت راية حقوق الإنسان، وحق التدخل هي في بدايتها. ولا يكفي في الموضوع سوى تعميق المسألة، وسبر دخائلها بمسبار منصف يعطي كل ذي حق حقه، ﴿ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن ببينة. وإن الله لسميع عليم﴾ (سورة الأنفال، الآية :42). عقيب الحرب العالمية الثانية التي خلفت في جسم الإنسان جروحا أشد فظاعة مما خلفته الأولى أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1948 بتاريخ النصارى عن دستور لحقوق الإنسان ضمنته الآمال التي كانت تراود قادة العالم إثر خروجهم من كابوس مدمر ما عرفت الإنسانية قريبا منه. بعد سقوط الملايين من الضحايا، وبعد إلقاء القنبلتين الذريتين على اليابان، أعلنت الجمعية العامة التي كان ولا يزال يقودها الخمسة الكبار الذين انتصروا على النازية أمل الكبار، يملونه على العالم.
فماذا أعلنوا ؟
اعترفوا في الديباجة أن "تجاهل حقوق الإنسان واحتقارها دفعا إلى أعمال وحشية يشمئز منها الضمير الإنساني".
وأعلنوا أن أعلى مطالب الإنسان هو ظهور عالم تكون فيه الكائنات البشرية حرة في التعبير والاعتقاد، متحررة من الإرهاب ومن البؤس".
وأعلنوا أن "الاعتراف بالكرامة الضمنية لكل أعضاء الأسرة الإنسانية" و"الاعتراف بحقوقهم المتساوية التي لا يمكن تفويتها هما أساس الحرية والعدل والسلام في العالم".
وأعلنوا في نيتهم "تطوير العلاقات الودية بين الدول". وفي نيتهم "تشجيع التقدم الاجتماعي، وتثبيت ظروف معاشية أفضل في حرية أكبر".
وقرروا أن "تصورا مشتركا لهذه الحقوق والحريات أمر في غاية الأهمية لينجح هذا التعايش". وأن إعلانهم هذا "مثل أعلى مشترك ينبغي لكل الشعوب والدول بلوغه".
إلى هنا تبدو النيات المعلنة بمثابة التعبير عن فرحة الخروج من أزمة شديدة إلى فضاء مليء بالتطلعات للمثل العليا. وتبدو النيات المعلنة حاملة لنفحات خبرة يراد تعميم فضلها على الكائنات البشرية، في العالم. وهذا شيء يسر لو تلاه تطبيق صادق.
ننظر في آخر الديباجة، فنقرأ نداء "ليبذل كل الأفراد وكل المنظمات الاجتماعية المستوحية لهذا الإعلان جهودهم في التعليم والتربية، لينموا احترام هذه الحقوق والحريات، وليؤمنوا الاعتراف بها، وتطبيقها العالمي والفعلي بإجراءات تدريجية على الصعيد القومي والدولي، سواء وسط شعوب الدول العضوة نفسها أو وسط الشعوب التي تحت سيطرتها".
على آخر جملة في ديباجة الإعلان نقف.
التطبيق العالمي الفعلي، والإجراءات التدريجية، وضعت إطارين مختلفين، ورتبت درجتين مختلفتين لإنسانيتين غير متساويتين : إنسانية مسيطرة، وأخرى مسيطر عليها.
لا تناقض إذا بين النوايا المعلنة منذ أربعة عقود ونيف، وبين التطبيقات والإجراءات العالمية الفعلية المتجلية في طرد العرب من فلسطين، وتثبيت أقدام الشتات اليهودي في فلسطين، ومحرقة بغداد، ومجازر البوسنة والهرسك الرهيبة. وفي التطبيقات العالمية الفعلية الإجرائية منذ أربعة عقود ونيف ما يثبت أن الاستعمار الذي أملى إعلان الحقوق والحريات هو نفس الاستعمار قبل إعلانها، بل هو بعد الإعلان أشد ضراوة.
نصبر على قراءة الإعلان الذي تولدت عنه مواثيق هي مرجعية حاملي شعارات الحقوق، والحريات ومصادرهم وحججهم المكتوبة التي تؤسس قرارات مجلس الأمن معطن الخمسة الكبار.
فنقرأ في البند الأول أن : "الكائنات البشرية تولد حرة متساوية في الكرامة والحقوق، وتتمتع بالعقل والضمير، ويجب عليها أن يعامل بعضها بعضا بروح الأخوة".
ما أجمل الكلام ! كرامة وحقوق وحرية وعقل وضمير وروح وأخوة !
ويضمن البند الثاني : "كل الحقوق والحريات بدون تمييز عرقي، أو لوني، أو جنسي، أو لغوي أوديني، أو رأي سياسي، أو أي رأي لآخر من أصل قومي، أو اجتماعي، أو ثروة، أو مولد، أو أي مكانة أخرى، أو وضعية سياسية، أو قانونية دولية أو وطنية".
اعجبوا رحمكم الله للصياغة القانونية المحبوكة الجامعة المانعة.
جامعة مانعة، لأنها جمعت ما لا ينجمع، ومنعت عن بعض ما كانت أعلنت من عالميته وشموليته.
لا تترك الجملة الأخيرة من البند الثاني منزعا للمصير، فهي تصنف الأوطان وسكان الأوطان تصنيفا استعماريا صرفا وقِحا.
كانت حركات التحرير الوطنية إذ ذاك لما تستجمع قوتها ونضالها لتفرض الجلاء على القوات الاستعمارية. ثم ثارت الشعوب، وانسحب الاستعمار الاحتلالي، وبقي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان معتمدا في تسيير العالم. مكتوبا فيه حرفا بحرف أن الوضعية السياسية والقانونية والدولية والوطنية تسري عليها بنود الإعلان الثلاثون "مستقلا كان هذا الوطن، أو تحت وصاية، أو غير مستقل، أو محدود السيادة".
قلت حرفا بحرف أي معنى بمعنى لأني لا أدري كيف الترجمة الرسمية إلى العربية.
لم يبق في قوس الصبر منزع، فالنفاق ليس تطبيقا فعليا إجرائيا فقط، بل هو مبدئي لا يخفي من نياته شيئا. العالم في تلك النيات كان -ولا يزال- عالمين اثنين : أحدهما مستقل الأوطان، سيد عليها وعلى الناس، والآخر : مسود، غير مستقل، تحت الوصاية، ومحدود السيادة. والإنسان إنسانان، والحقوق صنفان.
----------------------------------------------------------------------------------

* حوار مع الفضلاء الديموقراطيين للأستاذ عبد السلام ياسين