قضايا > حدث بارز
حتى لا تنسينا فرحة العيد فرحة أزقتنا
2007-12-24
مع عودة جموع المصلين من أداء صلاة العيد يأخذك مشهد البياض الناصع والألوان الزاهية التي تغطي الأزقة و الشوارع و تمنحها بهجة غير مألوفة في باقي الأيام.
مشهد تختفي معه كل القاذورات والأكياس البلاستيكية و القنينات الفارغة والحفاظات... وأشياء أخرى أصبحت نقطة سوداء في سجل المدن المغربية.
كل يلقي باللائمة على الآخر، ولكن قلما يُعتَرف بأن المسؤولية مشتركة بين الجميع: فالذي يضع كيس القمامة أمام منزل الجار ليس بأحسن من الذي يلقيها من السطح أو النافذة. ثم البقال أو صاحب الأكلات الخفيفة الذي يتسلل صبيه لرمي البقايا أو علب الكارتون في مكان غير مخصص لها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بعض وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" رواه الإمام مسلم رحمه الله عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه.
مظاهر فرح أم قلة مبالاة وقصر ذوق
خلال عيد الأضحى تزداد هذه الممارسات حدة حتى تصبح لدى البعض جزءا من فرحة العيد: فهذا يشوي رؤوس الغنم ويترك مخلفاته الموسمية ككل سنة مع قدوم عيد الأضحى، والآخر يلقي ببعض أجزاء الأضحية مع ما يصاحبها من روث دون أن يكترث لما ينبعث منها من روائح تزكم الأنوف.
مع تأخر مصلحة النظافة في جمع ما تراكم بالأحياء، يصبح مظهر الأحياء كئيبا كأنه ساحة عراك انتهى لتوه، ويسدل الستار في عجالة على مشهد فرحة العيد!
قد دأب الكثيرون على تجاهل هذه الصورة، لكن البعض الآخر يتأفف من هذه الممارسات، فتبعاتها لا تقتصر على عيد الأضحى فقط، بل تضر بصحة الجميع: روائح كريهة، حشرات ناقلة للأمراض المعدية، أمراض الجهاز التنفسي، الإضرار بجمالية الأحياء...
في هذا الخضم، تولد المبادرة الواعية والتطوع النبيل الذي يرسم على الأحياء والأزقة بسمة المواطنة الحقة، المواطنة التي تنبذ الحياد والنفعية لتجعل من إيمانها بالمصلحة العامة رافعة لخدمة المجتمع.
إذ تنخرط في هذا العمل النبيل فعاليات ومروءات حاديها إيمانها وأداؤها لشعبة من شعب الإيمان إماطة الأذى عن طريق المسلمين وهو صدقة، فتفتح أوراش للنظافة، توقظ همم المواهب الشابة من أبناء الحي للإسهام في جماليته بلوحات جدرانية تجمل واجهات الحي وغرس بعض الشجيرات والنباتات المزينة...
قال عليه الصلاة والسلام: "عُرضت عليّ أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخامة تكون في المسجد لا تدفن" رواه الأئمة البخاري ومسلم ومالك والترمذي رحمهم الله.
غير مغبون من تاجر بمضمون
هي مبادرات ذات قيمة عالية تنمي الذوق وترقي الإحساس النبيل وإن كانت موسمية ومعتمدة على جهود بسيطة، لكن تزرع في أعين المتتبع الحذق بذور العمل التطوعي الذي يجد جذوره في خدمة الصالح العام وفي أسس التجارة الرابحة التي لا تبور أبدا. التجارة مع الله بخدمة خلقه والبيئة أيضا، حيث أخبرنا وبشرنا سيد الخلق عليه الصلاة والسلام: "بينما رجل يمشي بطريق وجد غُصن شوك على الطريق فأخَّره، فشكر الله له فغفر له" جزء من حديث رواه الإمامان البخاري ومسلم رحمهما الله. قرين هذا العمل ليس مجانيا كما يعتقد البعض! إنه عمل مأجور صاحبُه، هو لبنة صدقة جارية تدوم عندما ينقطع عمل الدنيا، هو فضلا عن ذلك، سنة حسنة ينال صاحبها أجرها وأجر من عمل بها إلى قيام الساعة، وهو فوق هذا وذاك، رسالة لنبذ التواكل والتقاعس وليكن البدء بإماطة الأذى.
هو دعوة للانخراط بإيجابية في تغيير ما تراكم لدى بعض المواطنين من سلبية تجاه قضاياهم المجتمعية، هو بلسم لإحياء همم التعاون ومبادئ الإيثار والتطوع في زمن طغت فيه الأنانيات.
فهلا جعلنا كل أيام السنة عيدا وأدخلنا السرور على مجتمعاتنا، وهلا علمنا أبناءنا حب هذا الدين النظيف حتى نكون فعلا شامة بين الأمم كما أراد لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.