|
| ذة. زينب محب، 2007-11-24 |
|
|
|
عند اطلاعنا على الإحصاءات الرسمية، نفاجأ بأن عدد الأطفال -الذين تتراوح أعمارهم ما بين السنة السابعة والرابعة عشر والذين يعج بهم سوق الشغل المغربي- يربو عن ست مائة ألف طفل (600 ألف) دون احتساب الأعداد الأخرى التي لم يشملها الإحصاء.
ويعتبر هذا الرقم المهول ناقوس خطر لما يترتب عنه من آثار جانبية أخرى في حق هذه الشريحة من المجتمع، هذه الآثار التي تعتبر في ذات الوقت السبب والنتيجة في تنامي هذه الظاهرة. فكيف تتم معالجتها في مجتمعنا، وأية ضمانات قانونية وحقوقية ترصد للحد منها ؟
|
|
|
|
| من صنع الهشاشة الاجتماعية |
|
| لا يجادل أحد في أن ظاهرة تشغيل الأطفال سمة مشتركة بين العديد من الدول النامية ذات الاقتصاديات الهشة وذات التركيبة الديموغرافية المتفاقمة، لكن لا أحد يستسيغ الزج بالأطفال في الأعمال المحفوفة بالمخاطر والأمراض المهنية، إلا أن يكون ذلك جرما مستشريا ومنفلتا من أي عقاب !فمن ينصف هؤلاء الأطفال الذين أرغمتهم قساوة العيش على مقايضة براءتهم بأجور بخسة، لتجاوز عتبة الفقر الكؤودة ؟ تجدهم من ممتهني التسول إلى ماسحي الأحذية وبائعي السجائر إلى مساعدي حداد أو نجار أو رعاة للغنم بالبوادي أو خادمات بالبيوت... واللائحة تطول.هم إذن، نتاج واقع اقتصادي هش، يرغم الأسر الفقيرة على الاستثمار بأبنائها وبناتها الصغار في سوق الشغل بغية تحصيل مورد معيشي.هم نتاج الهدر المدرسي المبكر الذي لم تفلح السياسات التعليمية المتتالية في كبح جماحه، مادام الأفق الدراسي لا يضمن لقمة العيش الكريم وإن تعددت الشواهد، وما دامت المؤسسات التعليمية تلفظ كل سنة أفواجا كبيرة من العاطلين يعجز سوق الشغل عن استيعابها. |
|
| هم نتاج التفكك الأسري الذي يؤدي الصغار فاتورته في سن مبكرة : تفكك بات يعصف بالعديد من الأسر نتيجة العنف والطلاق وكذا استحالة تطبيق الإجراءات الزجرية لقانون الأسرة.هم ضحايا دوامة الفقر والتفقير الذي لا تنفك السياسات الاقتصادية والاجتماعية تعيد إنتاجه بصور تزيد المشهد العام قتامة. |
|
|
| أية حماية قانونية ؟ |
|
| إن الصياغة الجديدة لمدونة الشغل حرصت على تقنين العلاقة بين أرباب الشغل والمأجورين، لكنها منحت امتيازات كبرى للمشغلين على حساب الطبقة العاملة، في حين لم تحض وضعية الصغار بالتقنين اللازم، فاكتفت بتحديد سن التشغيل "لا يمكن تشغيل الأحداث، ولا قبولهم في المقاولات، أو لدى المشغلين، قبل بلوغهم سن خمس عشرة سنة كاملة".لكن منظمة "هيومن رايتس" تعتبر أن هؤلاء الأطفال يفتقدون للحماية القانونية اللازمة لِما يتعرضون له من استغلال وسوء معاملة.صحيح أن المادة 143 من مدونة الشغل تحظر تشغيل طفل دون سن الخامسة عشرة وتفرض أداء غرامة مالية تتراوح ما بين 25 ألفا و30 ألف درهم في حالة الإخلال بهذا البند، كما يمكن أن تتراوح العقوبة بين ثلاثة أشهر وستة أشهر سجنا نافذة في حالة العود مع أداء الغرامة مضاعفة.لكن بين تخاذل بعض مفتشي الشغل وتحايل المشغلين وضغط الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، تبقى هذه الفئة من الصغار لقمة سائغة في أيدي أرباب الشغل وعرضة لشتى أنواع الاستغلال : أجور بخسة، وطأة التحرش فضلا عن خطر حوادث الشغل. |
|
|
| ما لا تغيره القوانين وحدها ؟ |
|
| إن القوانين المنصوص عليها لم تفلح في الحد من تشغيل الأطفال، لأنها ظلت بعيدة عن ملامسة الظاهرة في عمقها وشموليتها وكذا الأسباب الحقيقية التي تنتجها.فالمغرب يخضع لنهج اقتصادي متحرر ومنافسة شرسة، تجرف الأسر الفقيرة التي أصبحت عاجزة عن تأمين قوت يومها نظرا لغلاء المعيشة وتفشي البطالة وارتفاع الضرائب... وبالتالي فهي تقايض خبزها اليومي بفلذات أكبادها.ففي ظل هذا النظام تتراجع العدالة الاجتماعية، تتزايد الفوارق الطبقية ويصبح تأمين الاحتياجات الضرورية لدى الطبقات المعوزة هاجسا ملحا في غياب مورد شريف يضمن لها العيش الكريم !قد تطمع هذه الفئات في دفء النسيج الجمعوي وخاصة النساء بحثا عن أي تأهيل مهني أو حرفي يجنبها الدفع بأبنائها لسوق الشغل ، لكن في ظل النخبوية وغياب الاحترافية لبعض الجمعيات تظل هذه الجهود دون المستوى المطلوب. |
|
| وإذا كان الهدر المدرسي العتبة الأولى لولوج القاصرين سوق الشغل، فإن رداءة السياسة التعليمية ببلادنا تعتبر سببا مباشرا لتزايد أعداد هذه الفئات. فلا بد إذن من توفير التعليم الجيد، الذي يكسب الأطفال مهارات ومعارف، ويجنبهم مغادرة المدارس في سن مبكرة لمزاولة أعمال وحِرف تفوق قدراتهم الجسدية وتعرضهم لمخاطر جسيمة. و يبقى تفعيل دور المؤسسات الحقوقية ذا أولوية قصوى : بم يساهم المرصد الوطني لحقوق الطفل إن لم يكن منبرا فعليا لمعالجة هموم فئات عريضة من الأطفال الذين أجهز الفقر والحاجة على براءتهم وألقى بهم بين فكَّيْ سوق متحررة من كل القيم ؟أليس هذا المرصد من الطفل وإليه ؟ أليس منبره الذي يصدح بمسراته ومعاناته ؟ لا يجمل به أن يكون يكرس فعل باقي المؤسسات التي تؤثث المشهد الحقوقي لبلادنا دون أن تكون لها القدرة الكافية على تفعيل القوانين التي أنشئت من أجلها ؟ |
|
|