قضايا > حدث بارز
محظورات بلُغة الضرورات
ذة. زينب محب، 2007-09-16
انتابتني ضائقة مالية عصيبة لم يفلح راتبي الهزيل في مواجهتها، فمتطلبات الحياة اليومية لا تنفك تستعر كل يوم: فاتورة الماء والكهرباء وأقساط الدواء لفائدة الصيدلية وثمن كراء المنزل، واجب الدروس الخصوصية... وما إليه.
فكرت في بيع التلفاز والصحن الهوائي، لكنني تذكرت أنه لا تزال بذمتي أقساط القرض البنكي الذي اقتنيهما به.
آه، كم كان سهلا استلام هذا القرض لإرضاء زوجتي وأبنائي الذين ألحوا في طلب هذين الجهازين لأن كل الجيران لديهم مثل ذلك وأن سطوح المنازل كلها تبدو مزهوة بتلك الأطباق. أطباق تحمل المشاهدين إلى عوالم ساحرة ومليئة بكل ما تشتهيه الأنفس بخلاف الواقع المعيش الخانق. فلم يكن من المعقول أن أحرمهم منها. صحيح أن القرض البنكي فيه كثير من المجازفة، لكن... "للضرورة أحكام"!
شكوت ضائقتي لأحد زملائي عله يقرضني مبلغا ماليا، فما إن أثرت معه الموضوع حتى طأطأ رأسه وتنهد بحسرة كبيرة، ثم أخبرني أنه على نفس حالي لأنه منذ فترة اقترض هو الآخر من البنك لشراء شقة والأقساط البنكية أصبحت كابوسا مزعجا يطارده ليل نهار ويحكم الخناق حول جيبه وعنقه بلا هوادة... ثلاثون سنة من الأداءات ! آه صديقي، إن الطريق إلى القروض قصير لا يتجاوز أربعا وعشرين ساعة، لكن أداء الأقساط سجن مرير!

لا أخفيك سرا صديقي، لقد أصبحت لوحات الإعلانات عن منح القروض الاستهلاكية والمنتشرة في كل الشوارع أفيونا تدور له رؤوس المقهورين من غلاء المعيشة، لقد غدت القروض الصغرى والمتوسطة العصا السحرية التي تستجيب للحاجيات الملحة وغير الملحة للمواطنين : قروض للسفر أو لتغطية مصاريف الدخول المدرسي وحتى شراء أضحية العيد!
لا أصدق أن ثلثي راتبي الشهري يخصص لأداء الأقساط الشهرية للشقة، لذا قامت زوجتي بالاقتراض هي الأخرى من إحدى المؤسسات التي تعنى " بتنمية المرأة وتأهيلها" بغية اقتناء آلة للخياطة والمساهمة في مصاريف الأسرة. وأصبحت هي الأخرى تخشى العقوبات الجزائية الناجمة عن تأخير أداء الأقساط.
وهذا كابوس آخر لأنه في حالة الإخلال بتسديد الأقساط قد تصادر الآلة!
فالشروط الجزائية حاضرة في جميع أنواع القروض بدون استثناء حتى وإن كانت الإعلانات الإشهارية تعِد بنسبة فائدة رمزية أو منعدمة.
هكذا إذن، تتم تنمية العنصر البشري ومحاربة الفقر ببلادنا تحت غطاء " الضرورات تبيح المحظورات والقروض الصغرى والمتوسطة تنفس الكربات"!
جلسنا نفكر في هذا الطوق الذي أحكم رقابنا، فقلت لزميلي: "هل كل ما نرغب فيه يعتبر حاجة ملحة وضرورية تجعلنا نقترض للحصول عليها مجازفين بمعاملات ربَوية؟
أجابني زميلي: "لا طبعا، لكن... للضرورة أحكام".
"لكن ألا ترى معي أن نهاية الاقتراض لا تأتي بالسعادة الموعودة والحلول المنشودة، بل هي مجرد مسكنات سرعان ما يتلاشى مفعولها ليجد المقترضون أنفسهم إما أمام دوامة الاقتراض التي لا تنتهي وإما بأبواب المحاكم لعدم القدرة على الوفاء بالتزاماتهم تجاه المؤسسات المانحة؟".
أنا وأنت وغيرنا كثير ندخل شراك الاقتراض بمحض إرادتنا مبررين ذلك بالضرورة والإكراه بعد أن استمالنا بريق الحلول الواهية للمشاكل العويصة التي نتخبط فيها. فعوض الدفع بالمواطن إلى الاقتراض المجحف لم لا يتم التفكير في حلول بديلة ؟ لم يتم الإصرار على أن كل الحاجيات ضرورات وإن كانت الوسيلة من المحظورات؟ لم لا يستطيع الإنسان العيش في كرامة بضروراتها وتحسيناتها إن كانت سلما لارتقائنا بميزان الحق والعدل والكرامة مع العبودية والحلال!!!