|
| ذة. زينب محب، 2007-08-29 |
|
|
|
أشرفت السنة التجريبية الثانية لتطبيق التوقيت المستمر على نهايتها دون أن يحصل بشأنه أي إجماع.
حيث إن الآراء والمواقف حوله لا تزال متأرجحة بين القبول والرفض، خاصة وأن المنطلقات التي اعتمدت في هذا الصدد كانت بنفس التأرجح ما بين الهاجس الاقتصادي والاجتماعي والإداري إلى أن حسمت الظرفية الاقتصادية في الملف تحت غطاء تحسين جودة الخدمات الإدارية وتمكين الموظفين من تجاوز مشاكل التنقل المتكرر بين مساكنهم ومقرات عملهم وقضاء وقت أطول مع أسرهم...إلخ.
و من جهة أخرى، يرى العديد من الباحثين الاجتماعيين أن اعتماد التوقيت المستمر لم ينبثق عن إجماع أو تشاور بين كافة الأطراف المعنية، بل أسند الملف إلى مكتب دراسات" أجنبي" مختص بهدف مقاربة شمولية تضمن له نجاحا أكبر.
لكن، تبين لاحقا أن المحرك الرئيس لهذا القرار يكمن في ارتفاع أسعار المحروقات التي تلفح جُنوب الاقتصاد الوطني، ومن ثم جاء إقرار هذا النظام بشكل مفاجئ بعد أن طال التشاور بشأنه وتم تأجيل البث في نجاعته مرات عديدة ! |
|
|
| وبه فإن تحقيق الجودة في الخدمات يظل رهينا بالمعطيات الاقتصادية والاجتماعية التي أسست لاعتماد هذا النمط من التوقيت، وكذا الآثار التي أفرزها في واقع الإدارات والمؤسسات العمومية خلال المدة التجريبية. |
|
|
| الجودة : من مرسوم التنقيط إلى اعتماد التوقيت المستمر |
|
| راهنت وزارة تحديث القطاعات العامة على تحقيق الجودة والرفع من مردودية الموظفين حين أقرت نظام التوقيت المستمر، كيف لا ودهاليز الإدارات والمصالح العمومية تعاني، منذ زمن طويل، من آفة الرتابة وبطء الخدمات وسريان بعض الأخلاقيات المشينة.إلا أن مطلب الجودة بهذه الصورة لم يحقق الغايات المرجوة، فجاءت النتائج بما لا تشتهي الوزارة الوصية! فقد سبق أن تبنت هذه الوزارة مشروع مرسوم حول تنقيط الموظفين العموميين، في إطار الإصلاح الإداري، لحثهم على تحسين الخدمات التي يزاولونها وكذا الرفع من مردوديتهم.بيد أن بنود هذا المرسوم لم تتلاءم وواقع الوظيفة العمومية وخاصة المحلية التي كانت ترزح تحت نير الزبونية واستغلال النفوذ من جانب بعض المنتخبين وعدم تكافئ الفرص وتفشي ظاهرة الموظفين الأشباح...الخ.ناهيك عن صعوبة تقدير عنصر الجودة في الخدمات مما يرغم المسؤولين على اعتماد مقاييس اعتباطية تحكمها الإكراهات عوض تبني منهجية واضحة ومنتظمة. |
|
| وبالتالي فإن الحرص على الجودة داخل الإدارات والمصالح العمومية يجب أن يعكس سلوك الأفراد العاملين بها وكذا قدرتهم على جعل القوانين المنظمة للعلاقات الإدارية حبلا سُِّريا يصل ما هو خدماتي إداري محض بما هو إنساني وأخلاقي كي تحفظ للخدمات الإدارية نبلها، وللموظف والمواطن كرامته. |
|
|
| مطلب الجودة للتحديث أم للتغيير؟ |
|
| جميل أن يصبح للجودة والإتقان عنوان بالمؤسسات والمصالح العمومية وأن ترقى خدماتها إلى مستوىً يعيد ثقة المواطن فيها ويمد جسور القرب معها، ولكن الأجمل أن لا تبقى الممارسات اللامسؤولة والمتجدرة في أذهان البعض وصمة عار تهوي بالمصالح العمومية إلى درجات جد متدنية : فمن قائل " على قَدْ خْلاصهم على قد خدمتنا" في إشارة إلى تدني الأجور أمام الارتفاع المتزايد في المعيشة وغلاء الأسعار، ومن بطون لا تتلذذ احتساء "القهوة" إلا من جيوب المواطنين، ومن موظفين " يقتلون" طول الوقت على خانات الكلمات المتقاطعة أو دخان السجائر، أو المكالمات الهاتفية الطويلة أو المحادثات الثنائية حول إكراهات توفير وجبة الغذاء...الخ، الأمر الذي يأتي على حساب التفكير في تحسين أداء الخدمات ويستأثر بحصة الأسد من التوقيت الإداري. |
|
| فإرساء التوقيت المستمر على أساس واقع متردٍّ، يؤدي حتما إلى استمرار تدني المردودية وإلى رداءة الخدمات على عكس ما تتوخاه الدوائر الرسمية، حيث إنه فضلا عن غياب المحفزات المادية والمعنوية لفائدة الموظفين، يأتي غياب البنى التحتية الكفيلة بتشجيع هؤلاء على المساهمة في إنجاح هذه المبادرة، ذلك أن غالبية المصالح العمومية لا تتوفر على مطاعم تؤمن للموظفين وجبة الغذاء بمقرات عملهم دون اضطرارهم لمغادرتها لمدة تزيد عن 30 دقيقة كما ينص على ذلك المرسوم المنظم للتوقيت المستمر،الأمر الذي يتسبب في تعطيل مصالح المواطنين.و من جهة ثانية، قد يتعرض الموظف لجشع بعض بائعي الوجبات الخفيفة في كلفتها لكنها، في كثير من الأحيان، تكون ذات خطورة في قيمتها الغذائية وشروط سلامتها الصحية، فتؤدي بذلك إلى مصاريف إضافية تثقل كاهل الراتب المحدود للعديد من الموظفين. وبذلك يبدو اعتماد مطلب الجودة للدفاع عن تبني التوقيت المستمر أمرا مرتجلا لِما نجم عنه من آثار سلبية، ناهيك عن عدم قدرته على إحداث التغيير الحقيقي في دواليب الإدارات والمرافق العمومية، لأن تغيير القوالب لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير العقليات والمعاملات! |
|
|