قضايا > قضايا معاصرة بعيون نسائية
الصحة تاجٌ ولكن...
ذة. زينب محب، 2007-06-22
"الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لايراه إلا المرضى".

واحد من الأمثلة التي اعتاد التلاميذ بالمؤسسات التعليمية ترديده، لكن معناه لم يتأكد إلا بعد أن ولجت صحة الأفراد بورصة المضاربات، وأضحت بذلك تاجا تتطلع إليه أعين المرضى بتلهف كبير، فلم يا ترى ؟

حسب قانون التغطية الصحية الإجبارية ببلادنا "ضمان المساواة وتحقيق الإنصاف بالنسبة لجميع السكان في مجال الاستفادة من الخدمات الطبية، يمثل إحدى أولويات الدولة في مجال الصحة"!!!

لكن واقع الأمر يظل بعيدا عن تحقيق هذا المبتغى، فمعظم البنايات الاستشفائية جاوزت الخمسين سنة، كما أن المعدات الطبية لا تسلم من الأعطاب بين الفينة والأخرى، فضلا عن النقص الكبير في التمويل بهذا القطاع، مما يضعف جودة الخدمات ويحد من قدرتها على مسايرة التطور الديمغرافي المتزايد أو الأمراض الجديدة ذات الكلفة العلاجية المرتفعة.

وكلما ابتعدنا عن المدار الحضري إلا وازدادت الصورة قتامة وباتت أقراص الأسبرين حلما يراود المئات من الأفراد، فيما يصبح مطلب الاستشفاء مجرد إعلان إشهاري أو حملة تحسيسية أو قافلة مجانية.
الأفراد، فيما يصبح مطلب الاستشفاء مجرد إعلان إشهاري أو حملة تحسيسية أو قافلة مجانية.

لا غرو، فقد تراجع دور الدولة بفعل تقليص النفقات العمومية الموجهة للخدمات الصحية، وفتح الباب على مصراعيه للقطاع الخاص تماشيا مع مبدأ الخوصصة وانسجاما مع منطق التبادل الحر في كافة المجالات.

وهكذا، لكي تتطلع إلى "تاج الأصحاء" لا بد من أداء واجب الخدمات العلاجية، لأن زمن المجانية قد ولى وارتحل، ولأن الهياكل المسجاة على أسِرّة المستشفيات، وأعداد المرضى "بلا حدود" هي سرٌ من أسرار التقويم الهيكلي!

أما إذا كنت من ذوي الدخل المحدود، فحظك من التمتع بهذا التاج على قدر ما توفره من "دخلك" الكسيح الذي وضع -منذ زمن- على سرير الموت الإكلينيكي! وما يضمنه لك الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي يظل رهينا بالحصص التي يضخها من راتبك.

وإن كنت ممن لا دخل له، وهم الغالبية، فأنت تحت الرحمة والعناية الربانية، تتقلب في كنف من يستمتع بالمعافاة ويقدر ثمنها، فيجود عليك بنظرة إلى تاج الأصحاء، في انتظار أن تشملك التغطية الصحية الإجبارية!
وأما إن كنت متقاعدا ضمن أسلاك "الضمان الاجتماعي" فتاج الصحة قد لا يتراءى لك، فهو يعاني نقصا حادا في الحصص المالية التي تقدمها الدولة، فيما تحجب عنك شبحه الأعداد المتزايدة للمتقاعدين!
فقانون التغطية الصحية الإجبارية تواجهه عقبات كبرى لا بد من تدليلها، وإلا صار "تاجا من شوك" على رأس المنظومة الصحية لبلادنا، يتطلع إليه المرضى لكن يحذرون شوكه!

ويبقى للصحة تاجها الذي صممته القدرة الإلهية بمواصفات الرحمة وبمقدار وافر من العدل والمساواة.
وحُقّ لمن يحمله أن يجزل الثناء للواهب سبحانه، ويقِصد في التمتع وقت الرخاء، ويحتسب عند الشدة والبلاء.