قضايا > قضايا معاصرة بعيون نسائية
الهجرة: معضلة بأبعاد أخرى…
ذة. زينب محب، 2007-05-11
أضحت الهجرة بالمغرب عنوانا لكل الذين نبذتهم قسوة الواقع الذي تتقاذفه المتغيرات المحلية والدولية على كافة الأصعدة. تقلبات تعصف بسرب الفارين من صقيع الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المرتجلة على الرغم من التدابير المتبناة في هذا المجال للحد من تفشي الظاهرة. فالجرم ليس جرم المهاجرين وحدهم بل الأمر أعمق بكثير من أن يصنف بسطحية يتذرع بها النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي المتهاوي لإبراء ذمته.
وتبقى الوجهة التي يختارها المهَجَّرون بأبعاد شتى، قاسمها المشترك هو النزوح القسري نحو المجهول بحثا عن الأمن الاجتماعي والصحي والحقوقي...إلخ.
قوارب الموت : هجرة اللاعودة
لم تعد الهجرة نحو دول الشمال سرية كما كانت أول الأمر، فقد فضحت قوارب الموت خباياها ومآسيها : فرار ممنهج من الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية العاجزة عن احتواء طوابير المعطلين والباحثين عن ظروف عيش أكثر كرامة وأمنا.
قوارب جعلت شباب البلاد فريسة لأباطرة التهجير والتهريب والمخدرات وعرضة للتلاعب بآمالهم وأحلامهم بعد أن استيقنوا من زيف الوعود الرسمية والمناصب الوهمية وتبددت آمالهم في الحصول على عمل شريف بعد أن تآكلت طلبات الشغل بأدراج المؤسسات الوسيطة وبات اليأس شهادة استحقاق تتوج بها المؤسسات التعليمية مسار خريجيها. شهادة تجعلهم مؤهلين بامتياز لركوب قوارب اللاعودة.
هجرة الأدمغة : الخيار الصعب
ليست مغادرة طوعية، بل هي ملاذ فئة نوعية وذات كفاءات عالية تقنية وتخصصية. لكن سوق الشغل في كثير من الأحيان يعجز عن استيعابها لان مؤهلاتها لا تتطابق وحاجياته. قد يكون لتوازنات العرض والطلب نصيب من هذه الأزمة، لكن نصيب الأسد يعود للتوجهات التي تنبني عليها السياسة التعليمية.
أدمغة تنتعل شواهدها وتشرع أشرعة كفاءاتها لخوض غمار الرحلة الاضطرارية في اتجاه الضفاف الأخرى. تهاجر كي لا تتفحم أجسادها مثلما تفحمت أمالها في تسخير أدمغتها للخروج بالبلد من مصاف التخلف ومقبع التبعية. يزيدها حسرة جمود السلم الترتيبي واستمرار خطاب "ارتفاع كتلة الأجور" : عقبة كؤود ترتطم بها مؤهلاتهم وقدراتهم العلمية. فالمؤشر المعيشي المعتمد منذ الخمسينيات وحتى الساعة، كقاعدة لتحديد السلالم والرتب الوظيفية لم يتأثر بالارتفاع المهول للكلفة المعيشية في كل المجالات : المأكل والملبس والمسكن والصحة و...إلخ.
فيما ظل قطاع التصنيع مرتكزا بالأساس على الصناعات الغذائية والتركيبية...استهلاك بصيغة أخرى لا يفسح المجال للأدمغة المغربية كلها لتفعيل طاقاتها، فهو حكر على نخبة دون أخرى !
وكأن إحداث هذه التخصصات والحث على ولوج هذه الأسلاك كان تشجيعا على" المعرفة من أجل المعرفةّ، أو كان حيازة فكر لن يبارح أدمغة حامليه ولا سبيل له لملامسة الواقع وتغيير ما به من تصدعات ومفارقات !
تفتح الضفة الأخرى ذراعيها لاحتضان الأدمغة المهاجرة بعد أن لفظتها الضفاف الأم... جيل بعد جيل أصبح حلم الحصول على تأشيرة الهجرة يداعب خياله من المهد إلى اللحد، فمن يوقف هذا النزيف ؟
الهجرة الداخلية : الصرخة المدوية
لعل الهجرة الداخلية إبان الثمانينيات كان لها ما يبررها بمنطق الأسباب والنتائج. فقد شهد المغرب توالي سنوات الجفاف مما أثر سلبا على القطاع الفلاحي وخلف تدهورا كبيرا للأحوال المعيشية لمعظم الفلاحين وأسرهم الذين نزحوا إلى المدن، إذ لم تفلح القروض الفلاحية في التصدي للظاهرة، بل على النقيض من ذلك زادت من حدتها أمام تراكم الديون بذمة الفلاحين ومشاكل إعادة جدولتها.
كما لم يفلح التقويم الهيكلي في إعادة التوازن لهذا القطاع بسبب الضغوط التي مارستها المؤسسات البنكية الدولية المدعمة لسياسة التقويم وكذا الخيارات التي فرضتها على البلدان المستفيدة.
كانت النتيجة الحتمية هي تزايد وتيرة الهجرة نحو المدن. وقد صاحب ذلك تناسل الأحياء الصفيحية وارتفاع مؤشر البطالة وتفشي الجريمة وغيرها من الأمراض الغثائية التي تهوي بالبلاد دركات في التخلف وسوء التدبير وتبوئه رتبا عالمية جد متدنية.
ولعل ظاهرة التسول والأعداد الهائلة من المشردين الذين تعج بهم الحدائق ومحطات النقل العمومي والأسواق خير دليل على البؤس الاجتماعي الذي فجره ازدياد نسبة المهاجرين من القرى نحو المدن وخاصة المدن الكبرى.
واليوم، تبدو العولمة الاقتصادية وانخراط المغرب في اتفاقية تحرير المبادلات " الكات" مشجبا تعلق عليه السياسة العامة للبلاد عجزها عن تحقيق نهضة اجتماعية شاملة تخلصها من ربقة التبعية وتجعل ساكنة المدن والقرى على حد سواء آمنة في سربها معافاة في بدنها ضامنة قوت يومها.
أن تهاجر الأجساد تحت وطأة القهر والتجويع مقابل الترف الفاحش لنخبة عنوانها " الأشر والبطر" غدا واقعا لا تخفيه المناخل وإن اجتمعت لذلك، لكن أن تهاجر القلوب امتعاضا وتحسرا، تلك هجرة بأبعاد أخرى !