قضايا > قضايا معاصرة بعيون نسائية
ديمقراطية الكيل بمكيالين
ذة. زينب محب، 2006/12/07
نهج ديمقراطي فريد...
كل متتبع لسير "البورصة الحقوقية" ببلدنا الحبيب لابد له وأن يصاب بالذهول والحيرة لما يلاحظه من سياسة الكيل بمكيالين: فحينما يتعلق الأمر بجماعة العدل والإحسان، فالحقوق هبات لا ينعم بها إلا المتزلفون، والحريات حكر على هواة الانبطاح. ولمن دونهم من "الرعايا"، مكيال وافر من المنع والقمع وكم الأفواه حتى تستثب "موازين" "البورصة الديمقراطية والحداثية" على نغمة واحدة ولازمة واحدة تضمن الأمن والأمان"للجميع"، وقاعدة لا يَشُذ عنها أحد إلا اعتبر نغمة نشازا.

غير أن واقع الأمر لا يَعِدُ بأي تناغم، فالمخزن لا تستهويه الأجواء الآمنة، ولا يأبى لسمائه إلا أن تحلق في عليائها أسراب الغربان الناعقة حول هشيم "قيم العدالة والحداثة وحقوق الإنسان"، كما لا يحلو لهراواته الركون إلى العطالة مخافة أن تنضاف إلى صفوف المعطلين ذوي الشهادات العليا. فلا تراه إلا مسارعاً في حبك الأزمات إِمعاناً في تكريس ديمقراطيته الخرقاء، وإضفاءً للمزيد من المشروعية للغة القمع والمداهمات وانتهاك الحريات وسحب الحقوق: الحق في التعبير، الحق في المعرفة، الحق في الاستجمام والتنزه، الحق في التواصل مع الآخر، الحق في نشدان التغيير والتطلع إلى غد آمن حقاً.

مشاهد "ديمقراطية"
تلك بعضٌ من أجواء الديمقراطية التي لا تقبل بديلا -إلا فصول سنوات الجبر ومشاهد التفتيش والمطاردات البوليسية- للتعبير عن نهجها الفريد: نهج على شاكلة سيزار، يعطي بيد ليأخذ بالأخرى.
لا يكف عن التوقيع على المعاهدات والمواثيق الدولية الحقوقية ليجعلها سيفا مصلتا على رقاب التواقين للإنعتاق من ربقة آلته القمعية. فلا تسمع إلا لغة القمع والمنع والتعسف اتجاه من لا يدور في فلكه ودواليبه أو من يستنكف عن مقايضة "الذي هو خير بالذي هو أدنى"، وما فصول محاكمة أسرة الأستاذ عبد السلام ياسين ومشاهد محاكمة الأستاذة ندية ياسين واعتقال طلبة العدل والإحسان 20 سنة بهتانا وزورا، ومداهمة المقرات، والسطو على التجهيزات، والحجر على الأبواب التواصلية مع الجماعة مؤخرا، وكذا قطع الطريق على أفواج الوافدين عليها، وتشميع المنازل، والمنع من حق التنزه والتمتع بالطبيعة الخلابة لبلدنا الحبيب التي يتهافت عليها آلاف السياح الأجانب... إلا دلائل تنضاف لمثيلاتها لتشهد على ذلك.
غير أن نصيب بيوت الرحمن من هذه الهجمة الرعناء كان أشد وقعا على النفوس، إذ لم تراع لها حرمة، لما طالها من المحاصرة والإنزال والهدم وتسريح الأئمة. لا غرو فلكل جديد دهشة: وللقائمين على ورش إعادة هيكلة الحقل الديني كامل الصلاحية في التعليق على هذه المشاهد.
تلك بعضٌ من مشاهد العهد الديمقراطي "الجديد- القديم" الذي لا يلبث يسدل الستار على فصل من القمع حتى يفتح فصولا أخرى أكثر انتهاكا وأشد حنينا للمخزنية وأقل حسما للعواقب.
جوهر الديمقراطية... الإنسان أولا
ليست الديمقراطية بنودا أو نصوصا أو شعارات يتغنى بها أو تشهر تارة وتخمد تارة أخرى. إنها سلوك وقيم تسري بين المواطنين بنفس المقدار وبدون تمييز أو تحيز. وكل خلل في تمثل هذه القيم إنما يذكي مساءلة المواطن حول حقيقة " المكتسبات الديمقراطية" التي ُيلوَّح بها لإيهام الخائفين بالأمن، والجائعين باللقمة الكريمة، والمشردين بالمأوى اللائق والمظلومين بالإنصاف... حقيقة، وإن عميت على أعين المخزن وأصاب أبواقه الناعقة منها صمم ووقر، فهي تنذر بأفول نجم الشعارات الواهمة الُموهِمة التي يريد واضعو سيناريوهاتِها تلميعَ واجهةِ "السيرك الحقوقي المخزني".
فالنهج الديمقراطي الذي يغيب الإنسان ويدوس كرامته وحرمته التي جعلها نبي الرحمة المهداة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام أعظم من حرمة الكعبة المشرفة، إنما هو بناء على غير أساس توشك عراه أن تنفض بين الفينة والأخرى، لتجعله هشيما تذروه رياح التغيير الموعود (لا يخلف الله وعده)، رياح العدل والإنصاف والمساواة "كأسنان المشط " حيث عدل الإسلام بديلا عن جور الأديان، وحيث سعة الآخرة بديلا عن ضيق الدنيا، وحيث لا عبودية إلا لرب العباد الذي حرم على نفسه الظلم وجعله محرما بين عباده.

وأي نهج يكيل بمكيالين هذه المعاني الأساس في إدارة الحقوق بين الناس مهما بلغ من "الديمقراطية"، يحمل في طياته بذور تَلفِه ويستعجل أفول نجمه.