|
| 2006/10/19 * |
|
|
|
في الصحيحين "من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه". وفيهما أيضاً "من حديث أبي هريرة أيضاً رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه".
وللنسائي في رواية: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر". وقد سبق في قيام ليلة القدر مثل ذلك من رواية عبادة بن الصامت.
|
|
|
| والتكفير بصيامه قد ورد مشروطاً بالتحفظ مما ينبغي أن يتحفظ منه. ففي المسند وصحيح ابن حبان "عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صام رمضان فعرف حدوده وتحفظ مما ينبغي له أن يتحفظ منه كفر ذلك ما قبله". والجمهور على أن ذلك إنما يكفر الصغائر. ويدل عليه ما خرجه مسلم "من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الصلوات الخمس، الجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر". وفي تأويله قولان: أحدهما: أن تكفير هذه الأعمال مشروط باجتناب الكبائر فمن لم يجتنب الكبائر لم تكفر له الأعمال كبيرة ولا صغيرة. والثاني: أن المراد أن هذه الفرائض تكفر الصغائر خاصة بكل حال، وسواء اجتنبت الكبائر أو لم تجتنب. وأنها لا تكفر الكبائر بحال. وقد قال ابن المنذر في قيام ليلة القدر: إنه يرجى به مغفرة الذنوب كبائرها وصغائرها. وقال غيره مثل ذلك في الصوم أيضاً. |
|
| والجمهور على: أن الكبائر لا بد لها من توبة نصوح. وهذه المسائل قد ذكرناها مستوفاة في مواضع أخر. فدل حديث أبي هريرة رضي الله عنه على: أن هذه الأسباب الثلاثة كل واحد منها مكفر لما سلف من الذنوب وهي: صيام رمضان، وقيامه، وقيام ليلة القدر. |
|
| فقيام ليلة القدر بمجرده يكفر الذنوب لمن وقعت له كما في حديث عبادة بن الصامت وقد سبق ذكره، وسواء كانت أول العشر أو أوسطه أو آخره وسواء شعر بها أو لم يشعر، ولا يتأخر تكفير الذنوب بها إلى انقضاء الشهر، وأما صيام رمضان وقيامه فيتوقف التكفير بهما على تمام الشهر، فإذا تم الشهر فقد كمل للمؤمن صيام رمضان وقيامه فيترتب له على ذلك مغفرة ما تقد من ذنبه بتمام السببين وهما صيامه وقيامه. وقد يقال: إنه يغفر لهم عند استكمال القيام في آخر ليلة من رمضان بقيام رمضان، قبل تمام نهارها وتتأخر المغفرة بالصيام إلى إكمال النهار بالصوم فيغفر لهم بالصوم في ليلة الفطر. |
|
| ويدل على ذلك ما خرجه الإمام أحمد "من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم يعطها أمة غيرهم، خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، ويزين الله كل يوم جنته ويقول: يوشك عبادي أن يكفوا عنهم المؤنة والأذى ويصيروا إليك، ويصفد فيه مردة الشياطين فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره، ويغفر لهم في آخر ليلة فيه، فقيل له: يا رسول الله أهي ليلة القدر؟ قال: لا ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله". |
|
| وقد روي: أن الصائمين يرجعون يوم الفطر مغفوراً لهم وإن يوم الفطر يسمى يوم الجوائز، وفيه أحاديث ضعيفة وقال الزهري "إذا كان يوم الفطر خرج الناس إلى الجبار اطلع عليهم قال: عبادي لي صمتم ولي قمتم ارجعوا مغفوراً لكم". قال مورق العجلي لبعض إخوانه في المصلى يوم الفطر: يرجع هذا اليوم قوم كما ولدتهم أمهاتهم. وفي حديث أبي جعفر الباقر المرسل: "من أتى عليه رمضان فصام نهاره، وصلى ورداً من ليله وغض بصره وحفظ فرجه ولسانه ويده، وحافظ على صلاته في الجماعة وبكر إلى الجمعة فقد صام الشهر، واستكمل الأجر، وأدرك ليلة القدر وفاز بجائزة الرب". قال أبو جعفر: جائزة لا تشبه جوائز الأمراء إذا أكمل الصائمون صيام رمضان وقيامه فقد وفوا ما عليهم من العمل وبقي ما لهم من الأجر وهو المغفرة، فإذا خرجوا يوم عيد الفطر إلى الصلاة قسمت عليهم أجورهم، فرجعوا إلى منازلهم وقد استوفوا الأجر واستكملوه. |
|
| كما في "حديث ابن عباس رضي الله عنهما المرفوع: إذا كان يوم الفطر هبطت الملائكة إلى الأرض فيقومون على أفواه السكك ينادون بصوت يسمعه جميع من خلق الله إلا الجن والإنس يقولون: يا أمة محمد اخرجوا إلى رب كريم يعطي الجزيل ويغفر الذنب العظيم، فإذا برزوا إلى مصلاهم يقول الله عز وجل لملائكته: يا ملائكتي ما جزاء الأجير إذا عمل عمله؟ فيقولون: إلهنا وسيدنا أن توفيه أجره فيقول: إني أشهدكم أني قد جعلت ثوابهم من صيامهم وقيامهم رضائي ومغفرتي، انصرفوا مغفوراً لكم". خرجه سلمة بن شبيب في كتاب فضائل رمضان وغيره، وفي إسناده مقال. وقد روي من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفاً بعضه، وقد روي معناه مرفوعاً من وجوه أخر فيها ضعف: من وفى ما عليه من العمل كاملاً وفى له الأجر كاملاً، ومن سلم ما عليه وفراً، تسلم ماله نقداً لا مؤخراً.ما بعتكم مهجتي إلا بوصلكم *** و لا أسلمهـــا إلا يداً بيــدفإن وفيتم بما قلتم وفيت أنـا *** وإن أبيتم يكون الرهن تحت يدي |
|
| ومن نقص من العمل الذي عليه نقص من الأجر بحسب نقصه، فلا يلم إلا نفسه، قال سلمان: الصلاة مكيال فمن وفى وفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قيل في المطففين، فالصيام وسائر الأعمال على هذا المنوال من وفاها فهو من خيار عباد الله الموفين، ومن طفف فيها فويل للمطففين، أما يستحي من يستوفي مكيال شهواته ويطفف في مكيال صيامه وصلاته إلا بعد المدين. في الحديث: "أسوأ الناس سرقة الذي يسرق صلاته". إذا كان الويل لمن طفف مكيال الدنيا، فكيف حال من طفف مكيال الدين: "فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون".غداً توفى النفوس ما كسبت *** ويحصد الزارعون ما زرعواإن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم *** وإن أسؤا فبئس ما صنعــوا |
|
| كان السلف الصالح يجتهدون في إتمام العمل وإكماله وإتقانه ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله ويخافون من رده وهؤلاء الذين: "يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة". روي عن علي رضي الله عنه قال: كونوا لقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل، ألم تسمعوا الله عز وجل يقول: "إنما يتقبل الله من المتقين". وعن فضالة بن عبيد قال: لأن أكون أعلم أن الله قد تقبل مني مثقال حبة من خردل أحب إلي من الدنيا وما فيها لأن الله يقول: "إنما يتقبل الله من المتقين". قال ابن دينار: الخوف على العمل أن لا يتقبل أشد من العمل. وقال عطاء السلمي: الحذر الاتقاء على العمل أن لا يكون لله. وقال عبد العزيز بن أبي رواد: أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح فإذا فعلوه وقع عليهم الهم أيقبل منهم أم لا. قال بعض السلف كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم شهر رمضان ثم يدعون الله ستة أشهر أن يتقبله منهم. |
|
| خرج عمر بن عبد العزيز رحمه الله في يوم عيد فطر فقال في خطبته: أيها الناس إنكم صمتم لله ثلاثين يوماً وقمتم ثلاثين ليلة، وخرجتم اليوم تطلبون من الله أن يتقبل منكم. كان بعض السلف يظهر عليه الحزن يوم عيد الفطر فيقال له: إنه يوم فرح وسرور فيقول: صدقتم ولكني عبد أمرني مولاي أن أعمل له عملاً فلا أدري أيقبله مني أم لا؟ رأى وهب بن الورد قوماً يضحكون في يوم عيد فقال: إن كان هؤلاء تقبل منهم صيامهم فما هذا فعل الشاكرين. وإن كان لم يتقبل منهم صيامهم فما هذا فعل الخائفين. وعن الحسن قال: إن الله جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا وتخلف آخرون فخابوا فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ويخسر فيه المبطلون. |
|
| لعلك غضبان وقلبي غافـــل *** سلام على الدارين إن كنت راضياروي عن علي رضي الله عنه أنه كان ينادي في آخر ليلة من شهر رمضان: يا ليت شعري من هذا المقبول فنهنيه ومن هذا المحروم فنعزيه. وعن ابن مسعود أنه كان يقول: من هذا المقبول منا فنهنيه ومن هذا المحروم منا فنعزيه، أيها المقبول هنيئاً لك، أيها المردود جبر الله مصيبتك.ليت شعري من فيه يقبل منا *** فيهنـــا يا خيبة المردودمن تولى عنه بغير قبــول *** أرغم الله أنفه بخزي شديـدماذا فات من فاته خير رمضان وأي شيء أدرك من أدركه فيه الحرمان، كم بين من حظه فيه القبول والغفران، ومن كان حظه فيه الخيبة والخسران، رب قائم حظه من قيامه السهر وصائم حظه من صيامه الجوع والعطش. |
|
| ما أصنع هكذا جرى المقدور *** الجبر لغيري وأنا المكسورأسيـر ذنـب مقيد مهجـور *** هل يمكن أن يغير المقدورغيره:سار القوم والشفـــاء يقعدني *** حازوا القرب والجفا يبعدنيحسبي حسبي إلى متى تطردني *** أعداي داني وكلهم يقصـدنيغيره:أسباب هواك أوهنت أسبــابي *** من بعد جفاك فالضنى أولى بيضاقت حيلي وأنت تدري ما بي *** فارحم فالعبد واقف بالبـــابشهر رمضان تكثر فيه أسباب الغفران فمن أسباب المغفرة فيه صيامه وقيامه وقيام ليلة القدر فيه كما سبق. ومنها: تفطير الصوام والتخفيف عن المملوك وهما مذكوران في حديث سلمان المرفوع. ومنها: الذكر. وفي حديث مرفوع: "ذاكر الله في رمضان مغفور له". |
|
| ومنها: الاستغفار، والاستغفار طلب المغفرة ودعاء الصائم مستجاب في صيامه وعند فطره ولهذا كان ابن عمر إذا أفطر يقول: اللهم يا واسع المغفرة اغفر لي، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه المرفوع في فضل شهر رمضان ويغفر فيه إلا لمن أبى. قالوا: يا أبا هريرة ومن يأبى؟ قال: يأبى أن يستغفر الله. ومنها: استغفار الملائكة للصائمين حتى يفطروا، وقد تقدم ذكره. فلما كثرت أسباب المغفرة في رمضان، كان الذي تفوته المغفرة فيه محروماً غاية الحرمان. وفي صحيح ابن حبان "عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فقال: آمين آمين آمين، قيل: يا رسول الله إنك صعدت المنبر فقلت: آمين آمين آمين؟ فقال: إن جبريل أتاني فقال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله قل آمين، فقلت آمين. ومن أدرك أبويه أو أحدهما فلم يبرهما فمات فدخل النار فأبعده الله قل آمين، فقلت آمين. ومن ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات فدخل النار فأبعده الله قل آمين، فقلت آمين". |
|
| وخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان أيضاً من وجه آخر "عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً بلفظ: رغم أنفه"، وحسنه الترمذي وقال سعيد عن قتادة: كان يقال: من لم يغفر له في رمضان فلن يغفر له فيما سواه. وفي حديث آخر: إذا لم يغفر له في رمضان فمتى يغفر لمن لا يغفر له في هذا الشهر، من يقبل من رد في ليلة القدر، متى يصلح من لا يصلح في رمضان، حتى يصلح من كان به فيه من داء. الجهالة والغفلة مرضان، كل مالا يثمر من الأشجار في أوان الثمار فإنه يقطع ثم يوقد في النار، من فرط في الزرع في وقت البدار لم يحصد يوم الحصاد غير الندم والخسارة.ترحل شهر الصبر والهفاه وانصرما *** واختص بالفوز في الجنات من خدماوأصبح الغافل المسكين منكســراً *** مثـلي فيا ويحه يا عظم ما حرمــامن فاته الزرع في وقت البدار فمـا *** تراه يحصد إلا الـــهم والندمــا |
|
| "شهر رمضان شهر أوله رحمه، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار". روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث سلمان الفارسي خرجه ابن خزيمة في صحيحه، وروي عنه أيضاً من حديث أبي هريرة رضي الله عنه خرجه ابن أبي الدنيا وغيره والشهر كله شهر رحمة ومغفرة وعتق، ولهذا في الحديث الصحيح: "إنه تفتح فيه أبواب الرحمة" وفي الترمذي وغيره: "إن لله عتقاء من النار وذلك كل ليلة"، ولكن الأغلب على أوله الرحمة وهي للمحسنين المتقين قال الله تعالى: "إن رحمة الله قريب من المحسنين"، وقال الله تعالى: "ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون" فيفاض على المتقين في أول الشهر خلع الرحمة والرضوان، ويعامل أهل الإحسان بالفضل والإحسان، وأما أوسط الشهر فالأغلب عليه المغفرة فيغفر فيه للصائمين وإن ارتكبوا بعض الذنوب الصغائر فلا يمنعهم من المغفرة كما قال الله تعالى: "وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم"، وأما آخر الشهر فيعتق من النار من أوبقته الأوزار واستوجب النار بالذنوب الكبار. |
|
| وفي "حديث ابن عباس المرفوع: لله في كل ليلة من شهر رمضان عند الإفطار ألف ألف عتيق من النار كلهم قد استوجبوا النار، فإذا كان آخر ليلة من شهر رمضان أعتق الله في ذلك اليوم بعدد ما أعتق من أول الشهر إلى آخره". وخرجه سلمة بن شبيب وغيره. وإنما كان يوم الفطر من رمضان عيداً لجميع الأمة لأنه تعتق فيه أهل الكبائر من الصائمين من النار فيلتحق فيه المذنبون بالأبرار، كما أن يوم النحر هو العيد الكبر لأن قبله يوم عرفة وهو اليوم الذي لا يرى في يوم من الدنيا أكثر عتقاً من النار منه، فمن أعتق من النار في اليومين فله يوم عيد ومن فاته العتق في اليومين فله يوم وعيد.__________* عن موقع جماعة العدل والإحسان. |
|
|