تصورنا
الأمهات المؤمنات صانعات المستقبل
قراءة في الفصل التاسع من كتاب تنوير المؤمنات
دة. فاطمة قاصد، 2006/07/07 *
تقديم
يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم: "إذا مات الرجل انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعوا له" رواه مسلم و غيره عن أبي هريرة. إن أول ما ينبغي فهمه أن صلاح الولد من صلاح الأمة. فإن كان الولد الصالح ذخرا لوالديه في الدنيا و الآخرة، فهو ذخر الأمة في الدنيا و مستقبلها. فبناء الأمة يقتضي إعداد النشىء إعدادا جادا ليكونوا جند التحرير و البناء، جند صناعة المستقبل. و صناعة المستقبل لا تعني إضافة أرقام إلى رصيد الأمة البشري فحسب، بل تنشئة أجيال صالحة.
فما معيار الصلاح في حساب الدنيا و الآخرة ؟
يقول الأستاذ عبد السلام ياسين1 : "كيف نهيئ النشء المؤمن الواعي بمأساة البشرية الشاردة عن ربها ؟ كيف نقيم في عقله و قلبه صارخا مناديا للإيمان يكون أقوى من ضجيج العالم التعليمي الإعلامي و هوسه ؟ كيف نقطع حبال الموروث التقليدي من عادات و أنانيات ساكنة في الأجيال العتيقة، عالقة بالمخضرمة، دون أن نقطع حبل الفطرة الواصل بين أجيال الإسلام عبر تربية الأب و الأم و القريب و الجار و معلم الخير و المسجد ؟ كيف ننفض أيدينا من التلفزيون المفتون الفاتن، و نعطي البديل الجميل الجذاب؟"
إن صناعة المستقبل، صناعة أجيال في قوتها و كفاءتها و إيمانها.

فما مهمة المؤمنات في البناء و صناعة المستقبل ؟ و ما مهمتهن في إصلاح العمل - الولد- ؟
من أين نبدأ ؟
يقول الأستاذ عبد السلام ياسين2 : "أقوى ما تستقوي به الأمة متانة بناء الأسرة. و المتانة أمومة مصونة مستقرة في بيت - مدرسة. أهم ما نعد لهم من قوة، أمومة مصونة مبرورة برة مربية تصنع مستقبل العزة للأمة".
إن صناعة مستقبل و عزتها تقتضي أن يكون للمومنات اليد الطولى في ذلك، و الخدمة التي لا يقوم بها غيرهن. و ليست هذه الخدمة تفريخ أعداد بشرية، فما جدوى الأمومة إن كان العمل فاسدا، و النسل غثاء كغثاء السيل أساءت تنشئته و أهملته ؟ بل على المؤمنة أن تعمل على تربية أطفالها نفسيا و عمليا و علميا ليتأهلوا في مهنة الاندماج الاجتماعي و مهنة الإنتاج الاقتصادي و العضوية الفاعلة في المجتمع.
إن الجيل الذي نريد تنشئته، نريده بريئا إن شاء الله من رواسب الجهل التقليدي و العاهات النفسية المتوارثة.
نريده قويا على اقتحام عقبات الحاضر، متطلعا للمستقبل بثقة و طمأنينة.

كيف نربيه إذن ؟ كيف نعلمه ؟ كيف نجعل منه المؤمن الواعي ؟
عوامل التربية
أ – الأسرة :

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين3 : "تتخذ المؤمنة برجا تغزو منه و لا تغزي، فإن غزيت قاومت و صمدت و استعانت بالله العلي القوي. واستنجدت بحبل أخواتها في الله الوثيق من موقعها الاستراتيجي، ترتب الزحف السياسي و تؤسس التغيير التاريخي"
الأسرة إذن لبنة الأساس في بناء المجتمع، و خندق لإنجاح المشروع الإسلامي، و صنع مستقبل الحكم الإسلامي. من البيت الإسلامي تنطلق القومة، إن كان البيت يسكنه مؤمنون و كانت قلوب المؤمنين يسكنها حب الله و الخوف من الله و الرجاء.
ينشأ الطفل في كنف أسرة مسلمة تسودها المعاشرة بالمعروف و البر و التعاون، و حيث ينسجم الدين و الخلق و السلطة الأبوية الأمومية في حضن المحبة.
ب – المدرسة

"تعمل على ذلك بمساعدة مدرسة هي من الأهداف السابقة للدعوة، تحتضنها الأمهات المؤمنات، يسرين إليها العافية بتألف المعلمات و الأستاذات و تقريبهن و تهذيبهن"4. كيف تزج المؤمنات إذن بالمدرسة في تيار الإحياء و التجدد ؟ كيف تصنع المدرسة شعبا واعيا من عموم الأطفال، بدل أن تسلمهم للشارع و العطالة. من المدرسة تنطلق مسيرة اقتحام العلوم. فإن كان تحصيل المعارف الضرورية واجب، فإن محو الأمية في الدين لابد أن يساير جهود محو الأمية الأبجدية و السياسية و التقنية.
إن المعلم واسطة عقد المنظومة التعليمية التربوية, كيف نجعله المربي القدوة ؟ كيف نحيي فيه الباعث القوي على التحلي بالرفق و المسؤولية الأخلاقية ؟ من الحرمة و المسؤولية الأخلاقية الإيمانية إعادة علاقة المعلم بالمتعلم إلى نصابها الإسلامي. فيكون التوقير و الحب و التبجيل تحية واجبة على المتعلم للمعلم، و يكون الرفق و النصيحة و الرحمة حقا على المعلم إزاء المتعلم.
تتولى المدرسة تحقيق هدفين أساسين، أولهما مؤسس للآخر، هدفه تربوي نفسي، و هو غرس الولاء مبكرا في النفوس و هو ولاء لله و لدين الله، و هدف تعليمي تدريبي: إكساب الناشئة المهارات العقلية – العملية المطلوبة اجتماعيا و اقتصاديا.
يقول الأستاذ عبد السلام ياسين5 : "روح الدعوة تسري في المدرسة من نفحات الأمهات المعلمات المربيات، لتنسحب منها روح السيطرة الإدارية و خيانة المكتبية التي لا تبالي، وقانون المذكرات الوزارية الغائب من يكتبها عن الميدان، و قطيعة العدد العديد الذي يجد فيه النشء نفسه أرقاما مجهولة"

ج – المسجد :

"و لا بد للدعوة السارية روحها من موعد لقاء و برنامج لقاء. الموعد المسجد، و البرنامج القرآن. إن لا يأت إلى المسجد تلامذة المدرسة و طلبة الجامعة، يأت إليهم المسجد".6
إن حق الولد الصالح على الوالدين الصالحين صناعة مستقبله ليكون عنصرا صالحا في محيطه. أول خطى الطفل تكون إلى المسجد. وروح المسجد وحرمته لا بد أن تسود الأسرة والمدرسة لتتأسس شخصية الطفل في ارتباطها بالمسجد والقرآن. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين7 : " قصدي إذن أن يسود التعليم، حرمة المسجد، وروحانيته وفضيلة التطوع والبذل السخي والمسؤولية الأخلاقية. لا أن تضم بناية المسجد ومرافقه المحدودة مالا يحد من حاجيات تعليم الأطفال واليافعين والشباب".
عوائق التربية
"ما تستطيع الأم المؤمنة أن تنفرد ببناتها وأبنائها ليقع تأثيرها عليهم لا تشوبه ولا تحرفه تأثيرات غيرها. أمامها وحواليها مؤثرات بشرية تذبل زهرة الأخلاق وتعوج عود الاستقامة، وتمتص رحيق الأغصان"8.

أ‌- التكاثر العددي: "و كثرة عددنا عائق للتربية بالنظر إلى أن الأجيال الشابة تجد أمامها سلفا أثرا جاهلا، فتثور عليه إذ لا تجد أهلية لتتلقى عنه التربية"9.
فإن كان الإمام الغزالي وبعض الفقهاء قد أجازوا للمرأة أن تنظم نسلها استبقاء لجمالها وحفاظا على حياتها. فماذا إن كان الأمر يتعلق بمصير أمة ومستقبل أمة ؟

ب‌- التلفزيون وغيره من وسائل الإعلام (الانترنيت، السينما، ... ) : هي الفتنة الكبرى، معاول هدم. كيف ندمج منها في حياتنا الإسلامية ونظامها المدرسي ما يدمج ؟ وكيف نروض الباقي لخدمة أهدافنا وغاياتنا ؟ كيف نجعلها أداة للتربية الشمولية والتعليم المستمر المتكامل ؟
ت‌- الحماة: "تنازع الأم المؤمنة في أبنائها أجيال تتعايش من قريب قاطن أو مزور زائر: من ركن إلى مذهب في التربية وغير راكن. منازعون ومنازعات: ابتداء من الحماة"10.
مجالات للصراع، ورياح معاكسة تجري بسفن التربية إلى غير وجهتها. فالحماة تنازع الأم في تربية أبنائها، تحمل من مخزون التقاليد وموروث التدين ما ينبغي على المؤمنة أن تقبله ثم تستصلحه حتى لا تقطع ما أمر الله به أن يوصل, يقول الأستاذ عبد السلام ياسين11: "تنفق المؤمنة من كنوز المحبة، واحتياطي المداراة، وملطفات الأجواء بالخدمة واللياقة واللباقة ومنجدات التحمل والصبر".

ث‌- طباع الزوج: ليست أقل من معاناة الحماة، بل تحتاج من الكياسة والحكمة ما تطلبه الدعوة.

ج‌- الخدم : ترك الأطفال للخادمة ضياع الأجيال، ويتم جزئي على المؤمنات مواجهته بإنشاء محاضن تعمل فيها أمهات متطوعات صالحات، وجمعيات من الطبيبات المحسنات والأطباء الفضلاء لرعاية الأطفال وتوجيه الشباب في طور المراهقة.
خصائص التربية
أما التربية الإسلامية، تربية الغد الإسلامي فلن تكون مستحقة لاسمها إلا إن تناولت الطفل، فأودعت قلبه إيمانا وعقله حكمة وجسمه صلابة.
• تربية مستقبلية : غايتها التقرب إلى الله عز وجل وتهيئ المستقبل إليه والسعي للقائه.
• تربية علومية : تنجمع فيها العلوم الكونية حول نواة العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله.
• تربية قرآنية: برنامجها القرآن ولغتها القرآن. "من القرآن يتعلم الأطفال القراءة والكتابة ومنه يتضلعون في اللغة العربية"12.
__ برنامج التربية: القرآن: فهو محور العملية التربوية. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين13: "ينبغي النظر في برامج التعليم للسنوات التسع الأولى من حياة الأطفال لتندرج في كنف القرآن وتستشهد به وتستند إليه". ويتعلم الطفل التاريخ من قصص القرآن، والحساب من عدد الركعات والسجدات وأنصاب الزكاة، ويتعلم الجغرافيا من اختلاف الليل والنهار ومطالع الشمس والقمر ... بدل تعليم مادي يطمس الفطرة ، تعليم قرآني يحييها.
__ لغة التربية: اللغة العربية : " في السنوات التسع الأولى من حياة الناشئ، وهي الفترة التي تأسست فيها قواعد الشخصية ويتأصل فيها الفكر والشعور والولاء والباعث، نجنب أطفالنا التوغل في المياه الأجنبية، إلا أن تكون دراسة باللغة الأجنبية مضمونها إسلامي تؤكد الباعث القرآني ولا تصادمه. ولن يفوت الناشئ شيء من قدراته على تعلم اللغة الأجنبية التي تبقى المفتاح الضروري لولوج الدوائر العليا من العلوم"14.
* تربية خلق جديد : يستبدل الله بهم أعداد غثائية، ويخرج من أصلابهم من يوحد الله.
• تربية حكيمة: تصل وتقطع. وتصل بين أفراد الأسرة وبين المعلمات والتلميذات، صلة تآمر بالمعروف وتناه عن المنكر وتواص بالصبر. وتقطع كل ما يمكن أن يحرف الفطرة.
• تربية واقية: تحفظ مع جسم الطفل نفسه وروحه من كل حاقد يشوش فطرة الله أو يشوهها.
خاتمة
إن المسألة التربوية تقتضي تظافرا للجهود بين عوامل التربية كلها (أسرة، مدرسة، مسجد ...) لكن تحقيق الأهداف المتوخاة يظل صعبا في غياب شرطين أساسيين : بدون تربية سلوك نظامها القدوة الصالحة والصحبة الطيبة، قدوة يجدها الطفل في أبويه في الأسرة، ومعلمه في المدرسة، وصحبة تغدي تلك النبتة بمجالس الإيمان ومع القرآن، يجمعهم حب الله وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.



* كتاب تنوير المومنات للأستاذ عبد السلام ياسين 2/ 218 .مطبوعات الأفق الطبعة الأولى 1996.

__________
1- حوار مع الفضلاء الديمقراطيين مطبوعات الأفق 1994 ، ص 123.
2- كتاب تنوير المومنات ج 2 ص 220.
3- كتاب تنوير المومنات ص 239 ج 2.
4- كتاب تنوير المومنات ج 2 ص 240.
5- كتاب تنوير المومنات ج 2 ص 254.
6- كتاب تنوير المومنات ص 259 ج 2.
7- كتاب حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ص 151.
8- كتاب تنوير المومنات
9- الإسلام غدا ص 599.
10- كتاب تنوير المومنات ج 2 ص 233.
11- كتاب تنوير المومنات ج 2 ص 233.
12- كتاب التنوير ج 2 ص 260.
13- حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ص 155.
14- حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ص163.