قضايا > قضايا معاصرة بعيون نسائية
الاجتهاد : ولادته وموته
ذة. ندية ياسين *
كل من أحاط بمفهوم الاجتهاد يدرك جيدا مدى عبثية التقليد الأعمى. فطارق رمضان مثلا يُعَرف الاجتهاد "بالجهد الذي يبذله الفقيه إما لاستخراج قانون أو قاعدة من مصادر نصية غير واضحة، وإما لصياغة رأي فقهي لا نص فيه"(1). أما ميشال جوبير فيقترح تعريفا أكثر تفصيلا للاجتهاد يكون بموجبه استمرارا للوحي: "فالوحي ليس لحظة من التاريخ بل هو يستمر عبر الجهد الذي يبذله البشر لبلوغ "الصراط المستقيم" وفهم سيرهم. هذا الجهد هو الاجتهاد الذي يجب أن يتم في إطار من الشك والتواضع، والذي يستمد مشروعيته من انعدام ضمانات نجاحه. فالاحتمال تَحَدٍّ للإنسان الذي عليه أن يسعى إلى تقليصه وعدم الخضوع له"(2).

وهكذا يصبح الاجتهاد وسيلة يجمع بها المسلم بين السماء والأرض، ويزاوج بين المطلق والعَرَضي، هذا الأخير الذي يسمى في العرف الإسلامي "فتنة" بما تعنيه الكلمة من ابتلاء دائم وامتحان يومي يمتد على طول عمر الإنسان.
الحياة الدنيا تكيف دائم وكفاح متواصل للمحافظة على السير السليم وسط أمواج الليل والنهار التي لا تدع للإنسان مجالا للراحة، والوحي منارة تمنعه من الاصطدام بالصخور. الحياة كفاح لا ينقطع للمحافظة على إنسانيتنا وطاقتنا الروحية والانتصار على كل اللحظات الخالية من المعنى.

والاجتهاد هو هذا الجهد الدائب الذي يبتغي إعادة التوجه والتكيف، هو هذه التعبئة اليقظة التي تسعى إلى الاحتفاظ بنور الرسالة وعدم الاستسلام للأعراض وعدم نسيان الله. لقد كان حرص المسلمين الأوائل على التمسك بالنبع هو الدافع الأساسي لنشوء الاجتهاد، فكان الصحابة يجتهدون والنبي صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم دون أن ينصوا على أصول هذا الاجتهاد، إما بتقليدهم الرسول صلى الله عليه وسلم، أو انطلاقا من فهمهم العميق للشرع الناتج أصلا من صحبتهم له. كان الاجتهاد جزءا لا يتجزأ من عقيدتهم ومن تربيتهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتأكد المرة تلو الأخرى من أن هذا الأصل قد ترسخ في عقول أصحابه كما ترسخ الإيمان في قلوبهم.
ولن يتحول الاجتهاد إلى منهجية مُعقَدة إلا بعد أن واجه العلماء أوضاعا جديدة نتجت عن توسع رقعة الإسلام ودخول الأمم فيه أفواجا. فبالنسبة للإمام مالك (717-801) الذي عاش بعد قرن من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، كان الاجتهاد ممارسة أكثر منه فنا مقعدا. وكما يوضح طارق رمضان: "لم يكن التميز بين مختلف العلوم واضحا بالنسبة للعلماء الأولين من أمثال أبي حنيفة والأوزاعي ومالك. فكتاب الموطأ للإمام مالك عبارة عن مزيج من الأحكام والآراء الصادرة عن الصحابة والتابعين. وستتكفل الظروف التاريخية(...) بعد ذلك بتعديل طرق الاستدلال وعرض النتائج التي كان يتبعها العلماء"(3).

ويذكر كاتبنا أربع ظواهر أيقظت لدى العلماء الرغبة في المحافظة على الدين بوضع قواعد واضحة تمكن من ممارسة الاجتهاد، وظهرت بظهور الملك العاض مع الصحابي معاوية بن أبي سفيان الذي عوض الحكم الشوري بالحكم الوراثي المستبد. هذه الظواهر الأربع هي :
1- إدخال ممارسات جديدة إلى شؤون الحكم.
2- تفرق العلماء في الأمصار وإمكانية ضياع العلم المتوارَث شفويا.
3- ظهور رغبة واضحة في بث الشك في الأمة بنشر الأحاديث الموضوعة.
4- ظهور صراعات نشأت عن اختلاف الآراء والمذاهب وبداية تمزق الأمة.

ورغم أن طارق رمضان باعتداله المعهود يسوي بين هذه الظواهر، إلا أن الانكسار التاريخي الذي حدث بانتقال الحكم من الخلافة على منهاج النبوة إلى الملك العاض حاسم في هذا المجال، فقد حفز العقلية التركيبية التي ظهرت كرد فعل يبتغي الحفاظ على كيان الأمة. لكن هذا التشوه الذي تعرضت له بنية الحكم سيتمكن في النهاية من القضاء على هذه العقلية ذاتها.


* مقتطف من كتاب "اركب معنا.. دعوة إلى الإبحار" الفصل الثالث : "آفاق جديدة" فقرة : "عندما تلتقي السماء بالأرض" ص275-278.
__________
(1) طارق رمضان : كيف تكون مسلما أوربيا، دراسة المصادر الإسلامية انطلاقا من السياق الأوربي, دار التوحيد، ليون، 1999، ص430.
(2) مجلة العالم الثالث، العدد 92, أكتوبر-دجنبر 1982.
(3) طارق رمضان ص 74-75.