قضايا > حدث بارز
لمَن صك الاتهام إذن ؟
ذة. زينب محب، 02/04/2006
من منظور الكثيرين، تعتبر المرأة نصف المجتمع، ويرى آخرون أنها شريك اقتصادي واجتماعي وسياسي لا غنى عنه، فيم يذهب البعض الآخر إلى إنزالها المنزلة الصحيحة باعتبارها المجتمع كله ما دامت تربي النصف الآخر، وما دامت قادرة على زرع بذور التغيير وتخريج الأجيال القادرة على تنفيذ هذا التغيير. فأنى لهذا الشريك أن يساهم في التغيير إن لم يُؤت من الحقوق ما يخوله الانخراط الفعلي في هذا البناء!؟ ومن آكد الحقوق حرية التعبير التي تتابع بشأنها الأستاذة ندية ياسين والتي مثلت لأجلها أمام المحكمة يوم الرابع عشر من مارس2006. محاكمةٌ بمفارقاتٍ صارخة قد تضع صك الاتهام في سلة المنظومة الحقوقية لبلدنا الحبيب، كما أنها تثير تساؤلات عديدة حول تزامنها مع شهر الاحتفال بعيد المرأة.
شبح الانكسار التاريخي
إن بعض من ينصبون المرأة شريكا في بناء المجتمع يضعون لهذه الشراكة قوانين و طقوسا تقزم دور المرأة. فكيف يكون هذا الإشراك؟ أانخراط كلي في سائر مناحي الحياة العامة؟ أم انتقائية تقصي المرأة من بعض المجالات لتعود بها خطوات إلى عصور الحريم و الدمى المهملة التي تورث كأي متاع... لا حق لها في القبول أو الرفض لما يرزح تحته محيطها، فبالأحرى أن تخوض غمار التدافع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي أو أن تجهر برأيها!
اليوم، يطل شبح الانكسار التاريخي للأمة من خلال هذه المحاكمة ويوشك أن يدق مسمارا جديدا في"نعش التقدمية.
فكيف لشريك في زمن"الحداثة" و"التنمية البشرية" أن ُيصادَر منبُره الإعلامي ويُحجَر على رأيه في اختيار ما يثمن شراكته ويضمن فاعلية انخراطه في البناء؟
وعلى أي أساس يقوم البناء الكفيل بالصمود في ظل واقع مفتوح على مصراعيه على جميع التقلبات والمتناقضات إن لم يكن فيه للآراء منبر ؟
أبالمحاباة والمجاملات وذر الرماد في العيون وإتباع كل منبر ناعق؟ أم بمساءلة هذا الواقع وتعرية نواقصه، لا لمجرد تتبع عوراته، بل لتشخيص علله وأدوائه ووصف الدواء الناجع... الدواء البلسم الذي يسكن آلام مئات المتشردين والمتسولين ويوقف نزيف الأدمغة المهاجرة فرارا من التحجر ورفض التغيير وكم الأفواه وتقليم أظافر الأقلام المستنكرة لمشاهد البؤس والتفقير... الدواء البلسم الذي يشفي حروق طوابير المعطلين... البلسم الذي ترسو على جنباته قوارب الفارين من مآسي"العهد الجديد"...، البلسم الذي يعيد للكلمة الصادعة بالحق منبرها، الكلمة الحرة النزيهة المؤسِّسة لشراكة بانية لتغيير فِعلي لا صوري، حاديه جبر ما أحدثه الانكسار التاريخي.
محاكمة لحرية التعبير أم رفض للتغيير؟!
إن إشراك المرأة في البناء والتغيير الفعلي ليس شعارا موسميا أو يافطة تزين منصات المحافل النسائية أو الحزبية والانتخابية، بقدر ما هو وليد مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون في الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص؛ مكتسبات يترجمها على أرض الواقع تطبيقها بديمقراطية في حق التعبير عن الرأي وحرية الصحافة. فكيف تتابع الأستاذة ندية ياسين لتعبيرها عن رأيها إزاء الاختيار الأكثر ديمقراطية؟...أو ليست كريمة الأستاذ عبد السلام ياسين مواطنة كاملة المواطنة في بلد ديمقراطي حداثي يتبنى التعددية وحرية الرأي والاختلاف؟ أليس لها الحق في أن تعبر عن شراكتها في مسلسل بناء المجتمع المغربي والخروج به من الوضع الكارثي الجاثم على المواطنين وذلك من خلال طرح أكاديمي تناولته سابقا منابر أخرى؟
فما صك الاتهام إذن؟ ومَن المتهمة الحقيقية في ما يعتبره التبرير المخزني"قضية مس بالمقدسات"؟ أليست هي القوانين التي تمنح الحقوق على الورق، وتتهم من أراد التمتع بها بالخرق والقفز على "التوابث"؟
أسئلة عديدة باتت تراود فكر مُواطن "العهد الحداثي" تؤرقه مثل تسعيرة الطاقة وداء الرياضة المغربية وهاجس "الإنفلوانزا" والأمن الغذائي والصحي لبلدنا الحبيب، وتزداد حيرته عند عتبة الأمن الحقوقي. يجد نفسه أمام مشهد كَرٍّ وفَّر للترسانة الحقوقية بين المطرقة والسندان، فيرى أن السحر يوشك أن ينقلب على الساحر: ترسانة من المعاهدات الحقوقية الدولية وليدة إملاءات خارجية لا تبارح مُسودَّاتها، كونُها عاجزةٌ عن فك لغز المشهد الحقوقي بالمغرب، وقوانين داخلية تكيل بمكيالين: تسرح الجناة من المختلسين للمال العام والمجهزين على الصناديق المالية العامة، لتفتح فصولاً من المتابعات والمطاردات المخزنية والمحاكمات.
فصول تربِك حسابات "المواطن الحداثي" إزاء "بريق العهد الجديد" ومزاعم طي صفحة الماضي.