|
| ذة. زينب محب، 2006/02/18 |
|
|
|
مرة أخرى تفضح التقارير الدولية أدواء بلدنا الحبيب. فقد كشف تقرير للمنظمة الأمريكية للدفاع عن حقوق الإنسان "هيومن رايتس ووتش" الستار عن جديد واقع الخادمات بالمغرب، حيث أفاد أن 66 ألف فتاة تتراوح أعمارهن ما بين 14 و18 سنة يعملن في ظروف جد قاسية حيث تتجاوز مدة العمل 126 ساعة في الأسبوع أي بمعدل 18 ساعة في اليوم دون التمتع بأوقات للراحة أو أيام إجازة.
كما أن معظمهن محرومات من التعليم ومن الرعاية الصحية الملائمة، وفي كثير من الحالات تعمل الواحدة منهن مقابل الطعام أو ما َفضٌل منه لدى مشغليها. وإن لم يكن بٌد من الأجرة، فهي تظل بخسة جدا وقد لا تتعدى قيمتها ستة دراهم في اليوم! ناهيك عن الاعتداءات الجسدية والجنسية التي تطال معظمهن من قبل مشغليهن أو أحد أقربائهم.
فعن أية حقوق يتم الحديث في الأوساط الرسمية ؟ وما نصيب هذه الفئة المستضعفة من بنود مدونة الشغل المعدلة حديثا ؟ وهل تكفي القوانين لرفع مظلوميتهن؟
|
|
|
|
| 1- ثنائية المظلومية... |
|
| تتعالى من حين لآخر أصوات عديدة تطالب برفع الظلم عن الخادمات بالبيوت وخاصة الصغيرات منهن، ثم لا تلبث جذوتها تخبو، فتستمر معاناة هذه الفئة باستمرار تردي الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وتتفاقم بجهلها بحقوقها.إن واقع خادمات البيوت بالمغرب نتاج مباشر للهوة السحيقة بين فئات المجتمع المغربي، حيث يوما عن يوم يزداد الأغنياء غنى ويزداد الفقراء تضورا من الجوع واستنجادا من لهيب الأسعار وغلاء المعيشة وفاتورة الماء والكهرباء والدواء، مما يضطر الأسر المعوزة للدفع ببناتها للعمل قصد تغطية هذه التكاليف اليومية المستعرة.تبقى الفتيات المرشح الأول للتضحية بالحق في التعلم من أجل مساعدة الأسرة. وإن ُقدر لهن أن يجدن عملا شريفا يسمو عن العطالة ويتنزه عن التسول من قبيل العمل بالمصانع، فإن شبح الطرد أو التسريح يتهددهن باستمرار كلما اهتز الاقتصاد المنفتح المتحرر.هكذا يلفظ سوق الشغل أسرابا من البائسات إلى الخدمة بالبيوت حيث الملاذ الاضطراري لكثير منهن وخاصة المنحدرات من العالم القروي الذي أصبح سوقا رائجة لسماسرة الخادمات بالمدن. |
|
| وهنا يبدأ الفصل الثاني من المظلومية : استغلال فاحش من قبل المشغلين، حرمان من المأكل والملبس الكريم ومعاناة شديدة للشعور بالاختلاف والمهانة والتهميش. لكن أزيز البطون الجائعة التي تنتظرهن تكبح جماح كمدهن وحقدهن الدفين على سائر المجتمع الذي أرداهن بائسات مكدودات. |
|
|
| 2- أية قوانين... لأية حقوق ؟ |
|
| لا يزال الجدل قائما حول إمكانية وضع تشريع خاص منظم للخدمة بالبيوت في إطار مدونة الشغل الجديدة، لكن طوابير المستنِجدات من الخادمات تتزايد يوما بعد يوم....ثم إن ملفا كهذا لايحتمل أن ينظر فيه بمعزل عن باقي المشاكل وفي غياب تام للقيمة الإنسانية والأخلاقية التي تطبعه، وبالتالي تظل" الترسانة القانونية" أبعد بكثير عن ملامسة المشاكل البنيوية التي يقوم عليها مدار التصدع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للبلاد.إن هذه الظواهر وغيرها كثير، تجذرت بفعل غياب عدالة اجتماعية لا غيابِ النصوص القانونية. وما العدالة الاجتماعية إلا تكافؤ في فرص العيش الكريم لسائر الأفراد وسريان مبادئ التكافل بينهم والإحسان لفقرائهم مع تأهيلهم للتسلح بمفاتيح الكسب والسعي عوض التواكل والعطالة حتى تصبح الأسرة في مأمن من غيلة اقتصاد لا مكان فيه للمعوزين، فتملك قوت يومها ومعافاة سربها وتلهج بالحمد لربها أن وقاها شر الفقر والحاجة ! |
|
| لن تشع العدالة والمساواة من آنية اقتصادٍ خّربهُ الغنى الفاحش والمضاربات المالية والعقارية المستعرة وأصبح في ظل العولمة كريشة في مهب الرياح... كسدت بضائعه وتردى أمنُه الاقتصادي، فلا حديث لأفراده إلا عن ضروريات المعاش وسبل تحصيلها. فهل تُصلح القوانين وحدها ما أفسده التحول المجتمعي العاصف ؟ |
|
|
| 3- أجٌر لا أُجرةٌ... ومعاملة لا عُملة ! |
|
| حين نورد هذه المشاهد فإننا ندق ناقوس الخطر لاستفحال المشاكل الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع وما يتمخض عنها من ظواهر باتت تسِمه بالتخلف عن المصاف الدولية؛ ونهمس للقائمين على شؤون هذا المجتمع بأن أي طلاء مهما كان بياضه لا يمكنه تلميع المشاهد القاتمة لأن الإنسان- نواة هذه المشاهد- ينكث فيها نكثا سوداء مما يطاله من تهميش وإقصاء لأبسط حقوقه في العيش الكريم..إن الحكمة تقتضي زرع بذور حلول جذرية شمولية كفيلة بتغيير الأفراد قبل القوانين وإقناعهم بأن قيمة عرق الإنسان وجهده تتعدى بكثير ستة دراهم في اليوم إلى منبر نوراني، مرتبةٌ يغبطه عليها الأنبياء والشهداء وإن حرمة الإنسان أعظم من حرمة الكعبة كما جاء في الهدي المحمدي.فقد لا يحتاج الأمر لقوانين إن كانت ستظل حبيسة الرفوف، لاتتغذى بنودها من رحيق الرحمة واللين ومن شذى حسن المعاملة ورِّد الفضل لأهله ِمّمن يسدي معروفا لغيره أو يقدم له خدمة، وإن الأجرة مهما كبرت قيمتها لن تضاهي أجر الخدمة مهما صغر شأنها. |
|
|