قضايا > حدث بارز
وفاء لذكراها
حول قضايا الإصلاح في المغرب-1-
دة. السعدية قاصد، تاريخ النشر 21/1/2006
ننشر هنا في حلقتين مشاركة المرحومة دة. السعدية قاصد في ندوة نظمتها مجلة "نوافذ" حول قضايا الإصلاح في المغرب؛ نشرت أشغالها في العدد المزدوج الثاني عشر/الثالث عشر من المجلة في أكتوبر 2001.
وتناولت المرحومة قضية المرأة في سياق الإصلاح العام المأمول.
وفيما يلي نص الكلمة تليها مساهمتها في التعقيبات.
الكلمة الرئيسية
بسم الله الرحمن الرحيم
إن تدهور وضعية المرأة في العالم الإسلامي، كان نتيجة مباشرة للاغتصاب السياسي للشورى، لأن هذا الاغتصاب أدى مباشرة إلى تسييس الفقه، وإلى وضع مبادئ فقهية سوف تعاني منها المرأة المسلمة أشد المعاناة، ولازالت مدونة الأحوال الشخصية تمثل هذه المعاناة للمرأة التي دامت عدة قرون من الانحدار أو الانكسار السياسي.
أريد أن أبدأ بصورة معبرة جدا : ففي السنة النبوية، عندما نعود إلى سيرة الصحابة رضوان الله عليهم، نجد أن الصحابية أم حرام كانت لها مكانة خاصة عند الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان يزورها مرارا، ومرة غفى غفوة فلما انتبه منها رأته يبتسم، فقالت له ماذا يضحكك يا رسول الله، قال لها رأيت أناسا من أمتي يركبون البحر على أسرة الملوك، قالت له ادع لي يا رسول الله أن أكون منهم. فقال أنت منهم. وفعلا ركبت أم حرام البحر، واستشهدت في جزيرة في قبرص، ومازال قبرها إلى اليوم ينعت بقبر المرأة الصالحة، هذه صورة من السًنٌة.
نأتي اليوم بكتاب من المكتبة فوجئت لما قرأته، عنوانه "ذكر النساء فيما حسن منهم وساء"، يأتي صاحبه بمجموعة من الأحاديث تصدم أي إنسان لامس هذه الصورة المشرقة، وهذه الإرادة الحرة التي مثلتها الصحابية أم حرام. خاصة أننا نعرف أنه في عهد العرب، ركوب البحر يماثل غزو الفضاء اليوم. لأنه في ذلك العهد كانوا يعرفون فقط ركوب الجمال، فهذا الكاتب يقول مثلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم توفيت له ابنة وحار الصحابة في كيفية تعزيته لأن الأمر يتعلق ببنت، إلى أن جاء أعرابي وقال له يا رسول الله، (عرضا سترته ومؤنة كفيتها ونعم الختم القبر)، أي نعم الصهر القبر.
هذا ما يأتي به صاحب هذا الكتاب، وأحاديث كثيرة تبين أن القبر أفضل للمرأة، إنها صورة أقرب إلى الجاهلية منها إلى الإسلام، ويقول صاحب الكتاب أن الصحابة فرحوا، لأن هذا الأعرابي رفع عنهم الحرج، لكونهم لم يستطيعوا تعزية الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الأمر يتعلق بامرأة.
فما السبب في الانتقال من هذه الصورة المشرفة للمرأة، إلى هذا الانحدار الذي نلمسه اليوم مع الطالبان ومع التيار الوهابي في السعودية، حيث يتم منع المرأة حتى من سياقة السيارة‍‍!؟‍‍‍ لابد أنه وقع هناك خلل ما خلال التاريخ.
يقول الدكتور عبد الحليم أبو شقة : إن تدهور المسلمين نتج عن التدهور في ثلاثة أمور : الحكم والمال والمرأة.
ويقول الأستاذ زيد ابن علي الوزير: إن الفقه تم تسييسه.
وقد وجدت إحدى الرسائل التي بعثها الأستاذ محمد شفيق إلى الأستاذ عبد السلام ياسين، وهي رسالة طريفة جدا تتحدث عن مطلب لهشام بن عبد الملك وجهه إلى والي بالمغرب الأقصى، يطلب منه أن يبعث له بعدد من النساء بمواصفات معينة، وكأنه يشتري خيولا أو بضاعة، وفعلا لبى له الوالي رغبته.
إن انحدار الخلافة إلى ملك مستبد واكبه تحول المرأة من امرأة صحابية مشاركة إلى جنب الرجل في بناء المجتمع، إلى قينة أو جارية في قصر الملك الذي يدعي أنه خليفة للمسلمين.
هذا التحول الذي أثر مباشرة على العلاقة بين السياسة والفقه، جعل الأئمة الأربعة، رغم مناهضتهم غير الصريحة للحكم يتخذون مواقف لها دلالة : فموقف أبو حنيفة مثلا من تولي القضاء له دلالة سياسية، وموقف فتوى الإمام مالك بعدم جواز طلاق الإكراه كانت له أيضا دلالته.
فكل هذه المواقف هي سياسية بالأساس. ومع الأسف الشديد فإن هؤلاء الفقهاء لم يستطيعوا بلورة موقف واضح من اغتصاب الحكم لأنهم كانوا يخشون على المسلمين من العودة إلى الفتنة الكبرى، فتم فتح أبواب الاجتهاد نسبيا في مجموعة من الأمور، وتأسست علوم عظيمة جدا، وهي أصول الفقه، وعلوم كثيرة، باستثناء مسألة الحكم التي ظل مسكوتا عنها، الشيء الذي أدى إلى تأسيس مبدإ في الفقه، هو مبدأ سد الذريعة، الذي سيسيء إلى المرأة إساءة عظيمة جدا. لأنه باسم هذا المبدأ، تم إرجاع المرأة إلى البيت، وحرمانها من حقوقها في التعليم وفي المشاركة...
هذا المبدأ في الحقيقة يمثل فقه الطوارئ أو حالة الاستثناء. فتحت مبرر سد ذريعة الفتنة تم حرمان المرأة من حقوقها إلى يومنا هذا. وخلاصة القول أنه سطر فقه ذكوري في غياب المرأة، وعدم حضورها في الكتابات الفقهية، وإطلالة بسيطة على كتب الفقه توضح هذا الأمر. فمثلا في باب الضرب في كتاب كذا يقول فيها الفقيه أنه يجوز ضرب ثلاثة في الإسلام: ضرب العبد والمرأة والحيوان، وهذه أمور تشمئز لها النفس. وإجمالا فهناك أزمة لا يمكن الخروج منها إلا بإصلاح شامل للأمة.
نحن واعون بالأزمة التاريخية وعمقها عند المسلمين بما في ذلك الأزمة الحديثة القريبة، فبالإضافة إلى هذا الفقه الذي يسميه الأستاذ عبد السلام ياسين فقها منحبسا أو فقه "لا يجوز"، جاءت صدمة الاستعمار. فقبيل الاستعمار شهدت قضية المرأة نوعا من الإشراق مع الحركة السلفية الأولى، بعد ذلك ستعرف هذه القضية، كما تسمي ذلك الأستاذة فاطمة الزهراء أزريويل، ارتدادا مع بعض رواد الحركة الإسلامية مثل أبو الأعلى المودودي، وبعض كتابات حسن البنا، وبعض كتابات السيد قطب. ولأنه كان هناك رد فعل على الاستعمار وخوف على المجتمع، رجع هؤلاء المفكرون ليس إلى السنة الحقيقية بل إلى مبدإ سد الذريعة، فانحبس الفقه مرة ثانية...
ومع ذلك فبعد هذا الارتداد بدأ إشراق آخر بمشاركة المرأة المسلمة في الحركة الإسلامية، وبروز وعي بالصورة الحقيقية للمرأة في السنة النبوية. وموازاة مع ذلك بدأ حركة نقد للفقه، وذلك عبر مراحل كما يسطرها حسن الترابي : المرحلة الأولى هي مرحلة التقليد للفقه والدفاع عنه، ثم مرحلة ثانية هي مرحلة الوعي الذاتي بالمشاكل التي يعاني منها الفقه الإسلامي. ولهذا فأي بناء الآن، وأي إصلاح سواء لمدونة الأحوال الشخصية أو غيرها لن يكون إلا بإصلاح شامل للفقه الذي يتطلب سنوات، لأن الأمر يتعلق بذهنيات يلزم أن تتغير.
وأختم مداخلتي هذه بقولة للأستاذ عبد السلام ياسين في كتابه "تنوير المؤمنات" حيث يقول: إنه جهاد يخاطب المرأة، إنه جهاد مزدوج، حقوقك التي كفلها الشرع تنتزعينها من تعسف الرجل وتتقدمين في العلم لكي لا يحتكر هو الاجتهاد ويميل به إلى سوء استعمال درجته...".
وفي الختام، أي مشروع للإصلاح العام، وخاصة السياسي وضمنه إصلاح وضعية المرأة، لا يمكن أن يقوم على المغالطات التي تندرج في الممارسة السياسوية. فالدستور ممنوح والميثاق الوطني للتربية والتكوين ممنوح، ومدونة الأحوال الشخصية ممنوحة. كما أنه لا زال المغرب يعرف الحريم وتعدد الزوجات، وإنصاف المرأة لا يمكن أن يتحقق إلا عندما تكون لنا الإرادة الحقيقية في التغيير السياسي.


تتمة..


ملف وفاءً لذكراها..