الربانية > آداب وأخلاق
أحاسنكم أخلاقا
ربما قد لا يشد عنوان هذه الزاوية الكثير من القراء و قد لا يغري الزائر ليقبل على تفحص مقالاتها. فمن منا لا يعرف مكانة الأخلاق من الدين؟ ومن منا لا يدرك المنزلة العظيمة التي ينالها المرء بحسن خلقه، وكريم سلوكه وأدبه؟ و نصوص وشواهد عديدة، و غير محصورة، تجلي لنا تلك القيمة الكريمة، والمنزلة العظيمة. روى ابن حبان في صحيحه والحاكم مرفوعا : "إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا."
الأخلاق بر، و صبر، وتزاور، وحلم، ولياقة، ونظافة...نعم . هي معاني عظيمة نمني أنفسنا ببلوغها ، و لا نألو جهدا في حث الناس على اكتسابها ، لكن وجب أن نتنبه إلى أن الأمر لا يتعلق بأصول وأهداف فحسب بقدر ما هو سلوك ومعاملة .
دأب الكثيرون في تناول المواضيع المرتبطة بالآداب و الأخلاق، على عرض عموميات تحجب عنا أحيانا كيفية التخلق بهذا الأدب أو ذاك، في حين أن المطلوب هو عرض أمثلة وتصرفات من أرض الواقع تبين لنا بعض ما نأتيه أحيانا من أفعال عن قناعاتنا النظرية في هذا الباب .

هدفنا إذن أن نتتلمذ في مدرسة رسول الله صلى الله عليه و سلم، نلتمس أصول الأدب و الخلق الموجب للخيرة : " خياركم أحاسنكم أخلاقا" دون أن يفوتنا أن نعرض على سنته وقائع، ومواقف، وتصرفات، لا حرج و لا شبهة فيها، في عرف الكثير من الناس ، ولكنها مجافية لحسن الخلق، لنحاول جميعا تصويبها وتصحيحها.
فالصبر مثلا، خلق ما أعطي أحد عطاء خيرا منه، كما جاء في الحديث الشريف. و لربما نسعى للتخلق به مع الناس كافة، ولكننا نضيق ذرعا بأقرب الناس إلينا .

والتزاور يقوي أواصر المحبة و التواصل ، غير أن الإخلال بآدابه يشجها ويكسرها.

و النظافة من الإيمان، غير أن الجهل بكيفية إتيانها يفوت علينا فضائلها ...

هذه أخلاق وآداب يجب أن نزرعها ونتعلمها و نعلِّمها.
كل هذا يدفعنا إلى إعادة النظر في تربية أنفسنا، و يلزمنا النظر في أمثلة خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون لنا نموذجا نحتذي به. ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لم يكتف في تربية الصحابة رضي الله عنهم بإسداء النصح لهم، بل كان يتجاوز ذلك إلى إعطاء المثال وإتيان الفعل.

قبل أن نغلق مدخلنا هذا، فإننا نقول : رب معاملة نحقرها تكون كفيلة بأن ترقى بنا على مدارج الإيمان إلى مراتب الإحسان . و لعل ما يميز هذا الدين العظيم، كونه يربط عظائم الأمور بدقائقها، حيث لا تنفصل فيه العبادة الروحية عن العبادة الجسدية، و معاني الإيمان نتلمسها في أيسر الأعمال و أبسطها.


روى الشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الإيمان بضع وسبعون شعبة : أعلاها قول لاإله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان ".

فإماطة الأذى عن الطريق أدنى الإيمان، ولا يقوم البناء من غير أساس، فهذه الحركة البسيطة التي نقوم بها تقربنا من الله عز وجل.
هذه وغيرها هي مواضيع نافذتنا " آداب و أخلاق"، نتدارسها ونتناصح حولها عسى أن نكون من أحب الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأقربهم منه مجلسا يوم القيامة.