الربانية > عين على الآخرة
أخوة الآخرة
ذة.فاطمة عائشي
1. وبالآخرة هم يوقنون
يقول الله عز وجل قي أول سورة البقرة: "الم ذلك الكتاب لا ريب.فيه هدى للمتقين الذين يومنون بالغيب ويقيمون الصلاة و مما رزقناهم ينفقون.والذين يومنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون. أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون".

في هذه الآيات الكريمات ربط الله عز وجل، بل شرط هدايتنا وفلاحنا وسعادتنا، بالإيمان بالغيب عبر الزمان قي الحاضر والماضي والمستقبل.
ففي الحاضر جعل الله تعالى الإيمان به متجليا في طاعته في كل ما أمرنا به. ومن مظاهر هذا الإيمان: الإيمان بالقرآن كلام الله المنزل إلينا. وإقام الصلاة عبوديةََ ومحبةًََََ لله خالقنا. والإنفاق في سبيل الله طاعة لله رازقنا، وبناءا للتآخي، ومحبة تبلغنا محبة الله ورسوله.

وفي الماضي: اشترط أن يمتد إيماننا إلى ما أنزل على الأنبياء من قبلنا وأخبار الأمم السابقة المخبر عنها في القرآن.

وفي المستقبل: يدعونا للإيمان بل الإيقان الذي لا مجال للشك معه بالآخرة مصير كل إنسان، ومقام كل مشكك عميان، وكل مؤمن موقن بالقرآن.
لا ينبغي لنا التحفظ من الحديث عن الغيب، والشعور بالحرج أمام أهل الدنيا، فما ضعُفَ الإيمان، وتفرق المسلمون، ونُسي القرآن، واغتر الناس بتعظيم الدنيا الفانية والركون إليها، إلا بالتغاضي عن الحديث عن الآخرة ودرجاتها، ومراحل السفر إليها : حياة، وموت، وبرزخ، وحشر، وصراط، ثم جنة أو نار، وفي كل مراتب ودرجات، ودركات أعاذنا الله منها.
فالله الخالق الرازق، الرحيم الرحمان، عرض علينا الدنيا والآخرة، وفضل الآخرة لعباده المؤمنين وأرادها لهم و شوقهم إليها. قال ابن عطاء الله رحمه الله: "إنما جعل الله الدار الآخرة محلا لجزاء عباده المؤمنين لأن هذه الدار لا تسع ما يريد أن يعطيهم، ولأن أجلٌ قدْرِهم من أن يجازيهم في دار لا بقاء لها".
فلأفضلية الآخرةِ ودوامها، وبناءِ مصير الإنسان فيها على كل حركاته وسكناته ونياته في الدنيا، أوصانا الرسول صلى الله عليه وسلم أن نجعل كل أعمالنا للآخرة، فقد أخرج الإمام مسلم رحمه الله عن المستورد بن شداد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر أحدكم بم يرجع إليه".
2. كونوا أبناء الآخرة
جاء الإسلام والناس متفرقون شيعا وأحزابا، وأنسابا وأحسابا، فجمعهم الله به وألف بين قلوبهم، قال سبحانه جل من قائل: "واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءا فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا" آل عمران الآية103.
فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يجعل هذه الأخوة والمخاللة كلها للآخرة، فقد أوصى صلى الله عليه وسلم سيدنا عليا كرم الله وجهه فيما أخرج الطبراني في الكبير وأبو نعيم في الحلية عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:

"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي بن أبي طالب: يا علي استكثر من المعارف من المؤمنين، فكم من معرفة في الدنيا بركة في الآخرة.
فمضى على فأقام حينا لا يلقى أحدا إلا اتخذه للآخرة، ثم جاء بعد ذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعلت فيما أمرتك به؟ قال: قد فعلت يا رسول الله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اذهب فابل أخبارهم. فذهب ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو منكس رأسه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبتسم: ما أحسب يا عليا ثبت معك إلا أبناء الآخرة. فقال له علي: لا والذي بعثك بالحق.

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: الآخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين".
أوصى الحبيب حبيبه بما يرفع مقامه في الدار الآخرة ويعلي درجته ويعظم أجره. أوصاه بالاستكثار والاستزادة من معرفة المؤمنين وحبهم في الله إذ يقول الله تعالى يوم القيامة: "أين المتحابون بجلالي؟اليوم أظلهم تحت ظلي يوم لا ظل إلا ظلي". أخرجه مسلم ومالك في الموطأ عن أبي هريرة مرفوعا. ويصف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، مقامهم وأجرهم عند الله في الدار الآخرة فيقول : "إن من عباد الله أناسا، ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانتهم من الله". قالوا: يا رسول الله أخبرنا من هم ؟ قال: "هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فو الله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس" وقرأ هذه الآية: "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" إذا حزن الناس" أخرجه أبو داوود.
حفظ سيدنا علي الوصية، وأوصى بها الناس قال رضي الله عنه: "ارتحلت الدنيا مدبرة وارتحلت الآخرة مقبلة ولكل منهما بنون، فكونوا أبناء الآخرة ولا تكونوا أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل بلا حساب وغدا حساب ولا عمل".

فعلينا الاستكثار من المعارف من المؤمنين والمؤمنات لبناء أخوتنا الأبدية بجوار عرش الرحمان ولا نألو جهدا في ذلك.
ولا ننسى أن مفتاح وصول المبتغى هو طرق باب الله بالدعاء ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم خير أسوة حيث كان يدعو بهذا الدعاء الجامع "اللهم ارزقني حبك و حب من ينفعني حبه عندك. اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب. وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغا فيما تحب" رواه الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري رضي الله عنه.