تصورنا
التوبة قلب دولة
دة. فاطمة قاصد
التوبة قلب دولة...
كلمات وردت على لسان الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله. تحمل من المعاني والإشارات ما يجعل التوبة تتجاوز لحظات ندم سرعان ما تخبو جذوتها، لتعود النفس لغيها وطغيانها... كلمات تجعل من التوبة مشروع أمة وبرنامج حياة...
التوبة قلب دولة...

تقلب دولة النفس. تخرجها من نوم الغفلة، من دائرة التكبر، إلى نور اليقظة الروحية وحال الصحوة القلبية. فيكون الحكم لله لا للشيطان، للشرع لا للهوى.

لكن! متى استوفت الشروط وحققت المطلوب.

وإذا كانت جماعة العدل والإحسان جماعة توبة، تتوب إلى الله وتدعو الناس للتوبة. فماذا عن التوبة في تصور العدل والإحسان؟
كيف للتوبة إذا بما هي معان لاستمطار رحمة الله عز وجل والتذلل بين يديه سبحانه، أن تصبح بابا لإقامة العدل وطلب الإحسان؟

كيف بمدافعة الباطل وأهله، أن تسلك بك طلبا للزلفى وحسنى المعاد؟

كيف لك أن تحمل مع هم آخرتك، هم آخرة العباد؟

كيف إذا، تنال الرضا في الدنيا والسعادة الأبدية في الآخرة؟
كيف أتوب...؟
التوبة أول خطى التربية، وأول مقامات الإحسان واليقين. ومن لا توبة له، لا سير إلى الله تعالى له. وقد اتفق جمهور العلماء على كون التوبة واجبة على كل مسلم استجابة لقوله جل وعلا: "وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون" النور الآية31.
التوبة فرصة لمراجعة الحساب وتدارك ما فات. ذلك أن السهو والتقصير من طبع الإنسان؛ فالطينة البشرية تجذبها الدواعي الشيطانية ويستحوذ عليها الهوى. ومن رحمة الله بهذا الإنسان الضعيف، أن يفتح له باب التوبة، ويأمره بالإنابة إليه والإقبال عليه؛ كلما غلبته الذنوب ولوثته المعاصي. ولولا ذلك، لوقع الإنسان في حرج شديد وقصرت همته عن طلب التوبة من ربه، و انقطع رجاؤه من عفوه و مغفرته. قيل لسيدنا الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما "ألا يستحي أحدنا من ربه يستغفر من ذنوبه ثم يعود ثم يستغفر من ذنوبه ثم يعود. فقال: ود الشيطان لو ظفر بهذه فلا تملوا".
وللتوبة شروط نجملها فيما يلي:

1- الإقلاع عن المعصية إقلاعا تاما.

2- عقد النية على عدم العودة إليها.

3- طلب المغفرة من الله تعالى.

4- طلب السماح من الذين أسأنا إليهم. إذ ما يتعلق في السيئة بحقوق الناس يحتاج في زواله إلى رضاهم.

هذه شروط التوبة الظاهرة. أما روحها وجوهرها، فهو مداومة الندم واستحضار رقابة الله عز وجل في السر والعلن.
لم أتوب...؟
للتوبة فضائل عظيمة. فهي السبيل للعلاج في الدنيا والآخرة (فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين) القصص الآية67. وفضلا عن كون التوبة تمحو الذنوب، وتستبدل السيئات بالحسنات (إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات. وكان الله غفورا رحيما) الفرقان الآية70، وتزيد في الرزق (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا) نوح الآيتان10-11؛ فإن أعظم الفضل في كون التوبة بابا واسعا لنيل المحبوبية عند الله (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) البقرة الآية222.
التوبة ليست فقط في الإقلاع عن المعاصي والذنوب، بل هي حياء من كرم الله قبل أن تكون خوفا من عقابه. فالمؤمن الصادق الطامح للقرب من الله، يتوب إلى الله حتى في مباح أتاه أو طاعة أداها تجديدا للنية وخوفا من الرياء. ولو كانت التوبة لمجرد محو الذنوب وتفادي العقاب، ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليداوم عليها وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. يقول صلى الله عليه وآله وسلم "توبوا إلى ربكم فإني أتوب إلى ربي في كل يوم مائة مرة" رواه مسلم. أدب نبوي جم، يجدر بطالب الكمال تمثله. فالأصل في السلوك اتباع السنة.
أريد التوبة... فما الطريق...؟
كانت التوبة طريق الأنبياء ونهجهم منذ خلق الله عز وجل البسيطة. فهذا سيدنا آدم عليه السلام، حرضه الشيطان وأغواه. لكنه وأمنا حواء نالا عفو الله ورضاه بندمهما واستغفارهما (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) الأعراف الآية23.
واستمرت التوبة حتى غدت مدرسة لتخريج المحسنين. ففي العهد النبوي، كانت التوبة تجمع هم الفرد بمصير أمته. فالمؤمن يخرج للجهاد سعيا لمدافعة الباطل، وحبا في لقاء الله، وحرصا على الشهادة علها تكون المدخل للتوبة والقبول عند الله.
فما السر في توبة صنعت الرجال ؟
خص الله عز وجل الصحابة بصحبة سيد الخلق. فكانت لهم القدوة من سلوكه، وتشربت قلوبهم نور محبته. وعلى درجة محبتهم، وعلى قدر قلب المحبوب، تعلموا خشية الله والإقبال على الآخرة. فكانوا توابين أوابين، ومنهم المبشر بالجنة، ومنهم من شهد بدرا فغفر له. يقول صلى الله عليه وآله وسلم: "لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" رواه البخاري.
وما سكنت خشية الله في قلوبهم إلا لأنهم أحبوا من يخشى الله. فكان ينبوع الإرادة والإنابة إلى الله. منه رشفوا واستقوا حتى تفجرت في قلوبهم ينابيع الإيمان.

صحبة أثمرت محبة الله. ومحبة أثمرت خشية وتوبة مستديمة.
استمر المدد، وبقي حبل التعلق بالرحمة الإلهية متصلا ثلاثين سنة بعد انقطاع الوحي، ومع من تربوا في كنف الصحبة وحضن المحبة. ثم ما فتئت معاني التوبة الجامعة أن بدأت بالتلاشي في عصور الفتنة بعد الخلافة الراشدة؛ حيث انحصرت التوبة في انشغال الفرد بطلب المغفرة من ذنوب اقترفها ولا شأن له بهموم الأمة. وبدخول الاستعمار ديارنا، غاب فقه الدلالة على الله، فغاب الهم الفردي الأخروي وسط شعارات الحداثة والعصرنة.
فما السبيل للتوبة في زمن صار فيه الدين غريبا؟ وعقد الصحبة قد انفرط وأمر الأمة تشتت؟
من له أن يقود معركة التوبة منفردا، وقد تحالفت ضده شياطين الإنس والجان؟ والأبوان اللذان أنيط بهما حفظ الفطرة غثاء وسط الغثاء؟
يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: "إن غابت السلسلة الفطرية، سلسلة الأبوين، فاتبع خطى "من" (يشير إلى وصية سيدنا لقمان لابنه: "وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي"). ابحث عن هذا الـ"من" لعل أنامل روحانيته تمتد إلى قلبك بلمسات المحبة وسمات الشوق إلى ربك والحنين إليه. ولعل التوبة واليقظة الروحية، وهي أعمال قلبية، تؤصل لك دينا أوسع أفقا وأعلى مرتقى من مجرد "الالتزام" الذي يبدأ بك سلوك الطريق إلى الله، لأن سلم الإسلام فالإيمان فالإحسان مفهوم غريب عن الوقت" كتاب الإحسان ج 1 ص119.
اصحب أرباب القلوب حتى يصير لك قلب، كما يقول الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله. فمحبة المنيبين تنير لقلبك محبة الله.

إن كنت تريد توبة ذات دلالة أعم وأهم، توبة تجعل همك مزدوجا، توبة تبرؤك من النفاق، تجدد الإيمان في قلبك، تطهره من ران الغفلة والظلامية ليدخله نور الله، فاطرق أبواب التوبة بين يدي من هو أخبر بأمر قلبك ونفسك وهواك "الرحمن فاسأل به خبيرا".

اطلبه تجده فإنه لا تخلو أرض الله من رجال.

التوبة قلب دولة...
ليست التوبة مجرد الندم على ذنب والكف عن معصية. التوبة العميقة التي تقلب كل الموازين العقلية والقلبية والأخلاقية السلوكية، وتوجه التائب وجهة الآخرة.

التوبة قلب دولة النفوس. لا سبيل من دونها لقلب دولة الباطل. إذ لا يغير وجه العالم من لم يغير نفسه "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" الرعد الآية11.
ذلك أن الله حين خلق هذا الكون الدنيوي، خلقه في تدافع وتناقض. وجبل الإنسان على غرائز بغاية الابتلاء والامتحان، وليميز الخبيث من الطيب. فكانت التوبة المؤهل لحفظ حدود الله وإقامة أمره عز وجل "التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله. وبشر المومنين" التوبة الآية112.
التوبة تخرجك من فتنة الإسلام الراكن، والإيمان الخلِق، لإيمان مجدِّد مجاهد فاعل مغير.
وحيث إن الإسلام دين عمل، فالتوبة مشروع عمل. والتوبة الانقلابية هي الخطوة نحو التربية الشمولية، التي تجعل المؤمن يقبل على الدنيا بما هي دار عمل ويسعى للآخرة بما هي دار المآل الحقيقي.

فليكن عملك في الدنيا سعيا حثيثا لإقامة أمر الله في الأرض، وتحقيق موعوده بالاستخلاف والتمكين للمستضعفين، فيكون طلبك للعدل مطية للإحسان وتكون دنياك في خدمة آخرتك.
وفي الختام…

أخي القارئ، ونحن في ظلال المعاني التي صاحبتنا في رمضان، مدرسة التوبة بامتياز..

وأنت تحرص دائما على أمر صحة بدنك وقلبك، وتختار مأكلك ومشربك بإتقان..

فاحرص على أن يوافق حالك مقالك، ويطابق ظاهرك باطنك..

ولا تنس أن تختار توبتك. فشتان بين من يرجو المغفرة ليكون من الناجين، وبين من يطلب العفو ليكون من المحبين المقربين..