لم يخطر ببال صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مستغرق في تلاوة آيات بينات من سورة البقرة المباركة1، أن يتحفه الكريم المنان بإحدى كرامات القرآن الغالية المجيدة.

ترى كيف كان خشوع الصحابي الجليل؟ وكيف كان تدبره للآيات الكريمة؟ حتى استحق هذا التكريم الإلهي وتشرف بهذه المنحة الربانية.

وهل كانت تلاوته مجرد ترددات صوتية مستقلة عن القلب؟ - حاشاها تكون – أم كانت تلاوة صديقية يهفو إليها الجنان قبل اللسان؟

فقد روي في الصحيحين عن أبي سعيد:" أن أسيد بن حضير بينما هو يقرأ في مربده إذ جالت فرسه فقرأ، ثم جالت أخرى فقرأ، ثم جالت أيضا، قال أسيد: فخشيت أن تطأ يحيى: يعني ابنه، قال فقمت إليها فإذا مثل الظلة فوق رأسي فيها أمثال السرج2 عرجت في الجو حتى ما أراها، فغدا على النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال تلك الملائكة كانت تسمع لك، ولو قرأت لأصبحت تراها الناس ما تستتر منهم" والرواية لمسلم.

ألا يمكن أن نطمع ونحلم بالكرامة الأسيدية، المعنوية قبل المادية، كرامة خشوع الجوارح ورقة الأفئدة وطمأنينة النفس في زمن تسارع الإيقاعات، وانقطاع الأنفاس اللاهثة خلف المغريات المتجددة. ولم لا والعطاء الإلهي لا يحده زمان ولا مكان.

فمن تمسك بالآداب، واقتفى أثر الرسول – صلى الله عليه وسلم- والأصحاب، لا يوصد دونه طريق ولا باب.

والسبيل إلى ذلك يكون بالإعداد القبلي والاستعداد القلبي:

أولا - بصحبة القراء العاملين: فنتعلم منهم الإيمان مع القرآن، حتى لا نكون ممن أوتي القرآن قبل الإيمان، فهو ينثره نثر الدقل3على حد تعبير الصحابي الجليل.

ثانيا – طهارة الباطن والظاهر: فنحمل المصحف بسواعد متوضئة وقلوب وضيئة.

ثالثا - الاستقبال: فتكون القبلة وجهة لأجسادنا، ويكون الله وجهة لأرواحنا.

رابعا – تعظيم النيات: فبتعظيم القرآن تعظم العطايا والهبات، ومن التعظيم إشراك جميع الجوارح في عبودية التلاوة، فتقرأ الألسنة وتنظر الأعين وتتبع الأصابع، وتسمع الآذان وتخشع القلوب وتتفكر العقول... مستحضرين أن ما نتلوه هو كلام رب العزة جل شأنه.

خامسا - التدبر والتفكر: فبهما ينجلي صدأ القلوب والعقول.

سادسا – التمثل السلوكي: وهو الغاية المقصودة، فحتى لا نعاقب بالحرمان نقتدي بمن كان نهجه و خلقه القرآن عليه أفضل الصلاة والسلام.

فبتعظيم القرآن في قلوبنا، والسعي في خدمته بجوارحنا، والاستنارة به في طريقنا وسلوكنا -خاصة وأننا أمام سبل قد تشعبت، ومسالك قد اختلطت- نعصم أنفسنا من الزيغ والانحراف، ونقيها من التجبر والطغيان، ونصونها عن الذلة والخنوع.

نفتح المصحف ونتدبر آياته، مستلهمين ضروب الحكمة والسداد، فيثمر ورد البيت السعيد في علاقاتنا الأسرية محبة وسكينة، وهداية وطمأنينة.

فيتشرب فلذات أكبادنا محبة الله ومحبة رسوله- صلى الله عليه وسلم - ويشبون على صحبة كتابه تلاوة وحفظا وخدمة، فتشع بيوتنا أنوارا من السرج الأسيدية مضيئة للأرجاء ومزينة للأركان.

فيا سرج أسيد أظلينا...وإلى بر الأمان بلغينا...

________________________________

-1على رواية صحيح البخاري باب" نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن" ح:5018.

-2 أي المصابيح.

-3 يقصد بالدقل رديء التمر.