رأيته ساجدا باطمئنان، تأملته بإمعان، فإذا برأسه المرفوع بين الناس بما وعى منبسط على تراب، أعلى ما يواجه به الخلق ويعتز به، ويتعزز به على الغير، جبهته على الأرض، أنفه الذي قد يرغم على ما يكره ويأبى، انحنى باختيار وطواعية. يداه اللتان يبطش بهما تمسكان بالتراب تستنجد، ترتجي. ركبتاه اللتان تحملان جسمه، خارت قواهما أمام العزيز الجبار، فانتصبت قدماه. أعلى درجات الإتقان!
هوى يسبح المولى الأعلى بلسانه داعيا مقتربا، إنه أقرب لقريب رحيم لا يرد دعوة داع دعاه ليس بغافل ولا لاه.
إنها صورة استسلام طوعي لقلب متقلب قبلته من بيده تصريف القلوب ﴿ ألا إنها قربة﴾ طلب القرب من الله حاث على تعاطي أسباب القرب وأقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد، قرب الرتبة من الله ﴿ فاسجد واقترب﴾
أمر بالسجود والتذلل والانكسار بين يدي الله أكبر، لأنه تكبر وأشرِّ، فتجرأ على حق الله تعالى فنازعه ردائه كبريائه، عصى الله بأعضائه وحواسه فوجب أن يمرغهم على أرض هي أهون الأشياء وأضعفها تحت الأقدام. فسجد خشوعا له لتكون الخشية بدل تلك الهفوة "أتبع السيئة الحسنة تمحها"
أمر بسجدتين لأنه أذنب من وجهين: ضيع فريضة وسقط في رذيلة، أضاع أمرا فرض عليه وارتكب منهيا زجر عنه.
ما أعظمها صورة تبعث على التساؤل؛ أي روح هذه جاهدت نفسا فطوعتها، أي قوة ملكتها هذه الروح فغلبت بها في الجهاد الأكبر، بل من أين اكتسبتها؟ كيف تعلمتها؟ من علمها القرب؟ هل مرت بيد عالم علمها أم فقيه فقهها؟ أم قرب القلب من أرباب القلوب المقتربة.
توجهت نحوه بعد حين فقلت: يا مؤمن أنى لك هذا، قال: هو من عند الله ﴿ فاسأل به خبيرا﴾

