لغـز مـحير

لفرط تقديرهم وعظيم محبتهم كتبوا لي "بدون"،لامتنانهم ولاعترافهم بالمهمة الجليلية التي أقوم بأدائها كتبوا لي "بدون". درست وتخرجت من الجامعة ورغم ذلك كتبوا لي "بدون". فماذا تعني "بدون" هذه ؟ بم توحي لكم ؟ وأين رأيتموها من قبل ؟ هل خمنتم ؟ يا لعظيم حيرتي ففي بطاقة هويتي وفي خانة مهنتي- أنا الأم وربة البيت- "بدون" هكذا يقول القانون ! "بدون" هذه أحبتي، عبارة تكتب ويوصف بها كل إنسان عاطل أو معطل عن العمل. فهل أنا فعلا بدون ؟ وإن كنت بدون، فبدون ماذا ؟ وماذا يعني هذا الحذف ؟ هل يعني أنني بدون وظيفة، بدون عمل، بدون صنعة...؟ أسئلة كثيرة راودتني وحيرتني وأنا أتمعن في فحوى هذه العبارة، فلم أجد لها جوابا سوى أنها جسارة وأية جسارة ! أتساءل بألم هل يجرؤ أحد أن ينعت أمه بهذا الوصف المُشين ؟ لا يقدرون جسامة المسؤولية الملقاة على عاتقي، لأن سلطة المال أعمت عيون قلوبهم فأحالتهم غثاء، ولأن سلطة القانون بين أيديهم أنستهم أنهم ثمرة تربية ربة بيت، فهل هكذا يرد جميل العظماء ؟ هم لايعترفون بمهمتي لأنها لاتحمل توقيعهم، ليست بأمرهم ولا بمشورتهم ولا بقرار منهم : هي وظيفة حواء في كل زمان ومكان، هبة خصها بها الرحمن سبحانه فهل من اعتراض ؟ إن كان كبر عليكم تسميتي، فكيف لاتعترفون بشرف مهمتي ؟

وظائف وأعمال ومهن...

وظيفتي العظمى، أحبتي، سفيرة للفطرة مصداقا للحديث النبوي الشريف "كل إنسان يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" والإسلام فطرة الإنسان في كل الأديان، أحافظ عليها من جيل لجيل. جديرة أنا بالمهمة أؤديها دون كلل أو ملل، دون خوف أو وجل. فهل هذا من العطالة أو البطالة يا أهل "بدون" ؟

رعاية الأجيال صنعتي وما أعظمها وما أجلها صنعة وصناعة : يقول الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : "ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته...والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم " [1]

مربية ومعلمة للنشء، زراعة الفضائل مهنتي، والحنان طبعي والرحمة شيمتي، والرفق واللين ذهبي وعُملتي، والحب مذهبي وشريعتي، مدبرة للمنزل أنا ومسيرة، والاقتصاد والكياسة حرفتي. فهل يشكك بعد كل هذا في قدراتي وأهليتي ؟!

"بدون" وأخواتها رمز الاستضعاف

إن وضع عبارة "بدون" في بطاقة هوية ربة البيت، حاملة لواء العزة والرفعة هي للاستضعاف أول مظهر، وله في المجتمع مظاهر وصور أخر، ولا تستثنى من القاعدة حتى التي كتب لها عاملة أو موظفة أو مهندسة أوطبيبة....لأن للاستضعاف أشكالا وألوانا. فهذه الفئات أيضا تعاني ضغوطا نفسية قاهرة للموازنة بين أعباء ومسؤولية الأبناء والسهر على احتياجاتهم وبين العمل الوظيفي الذي ينهكها جسدا وعقلا وروحا، لكن من يهتم لمعاناتها أو يشفق لوضعها ؟ المهم هو الإنتاج والأرباح، وإن عاشت المرأة الآلام والجراح، فهلا رحمة لهاته الجراح ؟

صرح عتيد

الأم صرح عتيد في الأمة، هي مصدرها وهي رافدها، بها تعز بعد ذل وتنهض بعد استكانة وتتقوى بعد ضعف، ولا سبيل إلى ذلك سوى بتقديرها وتعظيمها واحترام المهمة التي خصها الله عزوجل بها. فمنزلتها لاتضاهيها منزلة ومكانتها لاتوازيها مكانة ومرتبتها محفوظة عند الكريم من يعتبر كل أم في الأمة أُماً له.

[1] أخرجه الإمام البخاري رحمه الله.