جاء في بعض كتب العقائد ما يلي:\" ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا، وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننـزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة.\" ولتبرير هذه العقيدة السياسية ساق الشراح نصوصا سلخت من سياقها وحقيقة ما تهدف إليه، كقوله تعالى:\" يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) [النساء:59] وقوله عليه الصلاة والسلام: \"من يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعصِ الأمير فقد عصاني.\"
والمتأمل لهذين النصين مثلا لا يجد مباركة الخضوع لحاكم ظالم، لأن طاعته في النص تبع لطاعة الله ورسوله، فضلا على أن يكون هذا الحاكم من الأمة، أي من عمقها، نابع من اختيارها ومتناغم مع مصيرها وهادف لتحقيق سعادتها وسؤددها ومجدها، أما الحاكم المستبد الذي فرضت البيعة له قهرا وجبرا وكان مستوليا على خيرات الأمة، ظالما لا يتحرك سوى لاجتلاب مصالحه الشخصية ومآربه عصبته ولعاعات حاشيته... فإنه لا يجب طاعته أو الخضوع لقهره أو الاستجابة لنزواته لأن الأمة الحية هي التي تقول للظالم : يا ظالم .......
وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: \"إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودّع منهم\" هو حث حقيقة على مواجهة الظالم وزجره عن ظلمه وتبيان لخطورة ترك هذا الأمر، فإنّ الناس إذا تركوا زجر الظالم في وجهه والتحذير منه فإنّ الله تبارك وتعالى يتخلى عنهم، أي يقطع نصرته عنهم كما قال غير واحد من الشراح. والرسول صلى الله عليه وسلم حذّر أمته أنهم إذا وصلوا إلى حالة يهابون فيها أن يقولوا للظالم يا ظالم عندئذ تودّع الله منهم، و تخلى الله عنهم وتركهم ووكلهم إلى أنفسهم وقطع نصرته عنهم.
والتاريخ حاكم لما نراه من خطأ ما ذهب إليه المباركون لنظم الاستبداد، ألم يجابه الصحابة والتابعون رضي الله عنهم (يزيدا) في معركة الحرة التي خرجوا فيها عليه حين أيقنوا إيقانا تاما بفسقه وظلمه واستكباره؟؟
في تاريخ الخلفاء للسيوطي في باب يزيد بن معاوية :\" - في سنة ثلاث وستين بلغ يزيدا أن أهل المدينة خرجوا عليه وخلعوه فأرسل إليهم جيشاً كثيفاً وأمرهم بقتالهم ثم المسير إلى مكة لقتال ابن الزبير فجاءوا وكانت وقعة الحرة على باب طيبة، وما أدراك ما وقعة الحرة ...
- ذكرها الحسن مرة فقال: والله ما كاد ينجو منهم أحد، قتل فيها خلق من الصحابة رضي الله عنهم ومن غيرهم، ونهبت المدينة وافتض فيها ألف عذراء، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وجاء في البداية والنهاية لابن كثير (أحداث سنه 63) \" ... ثم أباح مسلم بن عقبة، المدينة ثلاثة أيام كما أمره يزيد، وقتل خيراً خلقاً من أشرافها وقرائها، وانتهب أموالاً كثيرة منها، ووقع شرُّ عظيم وفساد عريض على ما ذكره غير واحد.
- قال المدائني: وأباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثة أيام، يقتلون من وجدوا من الناس، ويأخذون الأموال. و عن أبي قرة قال: قال هشام بن حسان: ولدت ألف امرأة من أهل المدينة بعد وقعة الحرة من غير زوج.
- وسئل الزهري: كم كان القتلى يوم الحرة؟ قال: سبعمائة من وجوه الناس من المهاجرين والأنصار، ووجوه الموالي، وممن لا أعرف من حر وعبد وغيرهم عشرة آلاف. قال: وكانت الوقعة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وانتهبوا المدينة ثلاثة أيام.\"
والسبب في ذلك مجابهتهم لظلم يزيد وخروجهم عليه ورفضهم ثقافة الاستكانة والخضوع وإن بذلوا في ذلك أرواحا وأعراضا ومقدسات لتتربى الأمة على تغيير نمط الحكم الفاسد وتقف رافعة رأسها عاليا في وجوه الرعاع المتسلطين.
لذلك فالذي يسوغ للأمة مهادنة الظالم ومجابهة القائمين بفتاوى التخوين والخروج وشق عصا الطاعة هم منسلكون حقيقة في ديوان جنود فرعون الذين كانوا ظالمين، لأنهم المثبتون لعرف الاستبداد والفساد والأسر والإركاع وشتى العلل القاصمة لمجد أمة كانت في القدر والأزل شاهدة على الأمم كلها شهود حرية وتمكين وعزة وكرامة وإسعاد للإنسانية كلها.

