صراع الحق والباطل مسلسل عبر الأماكن والأزمان تتكرر فيه المشاهد والأحداث، وتتجدد الشخصيات ويزخر كتاب ربنا بالأمثال، كمثال وتمثال "فرعون". أحجية أقصها عليكم لم يتغير لها طعم ولا رائحة. عنوانها هو العنوان "فرعون أمته" ومكانها هو المكان بلد الأهرام، أم الدنيا "مصر" غير أن الزمان غير الزمان والأسماء غير الأسماء. فما أشبه الأمس باليوم.
فرعون أمته
"فرعون" كلمة ذكرت في القرآن الكريم سبع وستون مرة في ست وعشرين آية. تعنت فرعون وهامان وجنودهما، ونسجوا أكاذيب فآمنوا بها كما آمن بها بنو إسرائيل العاقون، فطغوا في الأرض وعثوا فيها فسادا، وتدور عجلة التاريخ تذكرنا بفراعنة سبقوا في أمة الإسلام: أبو جهل، والوليد... كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، موصلون بفراعنة هذا الزمان. ولا يختلف اثنان
في أن "مبارك" فرعون أمته من فراعنة هذا الزمان منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر. حقيقة يسجلها التاريخ كما سجل أفعاله، ليحنط تمثاله جنبا إلى جنب "أبيه الروحي" في قبة الأهرام وتتحقق أمنيته "بالخلود" فيصير قبلة السائحين من بلاد العرب والعجم. وصل الماضي بالحاضر بشارة للمستقبل... لنأخذ الدروس و العبر.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قال الله عز وجل : الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري ، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار" [1]، وروي بألفاظ مختلفة منها (عذبته) و(وقصمته)، و(ألقيته في جهنم)، و(أدخلته جهنم)، و(ألقيته في النار). المتعالي الجبار المتكبر القهار...، صفات الله تعالى ومن أسمائه الحسنى، وهي صفات مشينة في حق البشر تنبذها الفطرة وكل الأديان. ويبقى عبرة لمن يعتبر كل من نازع وينازع الله جلت قدرته في صفات جلاله.﴿ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسماءه سيجزون ما كانوا يعملون﴾ [2].
كيد متين
"إذا اشتد غضب الله تعالى على أحد سلط عليه عقله" قولة توارثتها الأجيال، لقنتها الجدات المؤمنات والأجداد للأحفاد. حقيقة أنكرها جبابرة أمم خلت، كما أخبرنا بذلك القرآن الكريم، وينكرها، ولم ولن يدركها جبابرة هذا الزمان، لأن الله طبع على قلوبهم فهم لا يعقلون وطمس على أعينهم فهم لا يبصرون، وأصم آذانهم فهم لا يسمعون. حالة يحيون ويبعثون عليها لأنهم لم يستجيبوا لنداء الفطرة ويسجدون وهم سالمون وقد صبر عليهم وهو الصبور، باسط يده في الصباح ليتوب مسيء الليل وباسط يده في الليل ليتوب مسيء النهار، فهو الباسط، وأرسل إليهم من ينذرهم وينصحهم من بني جلدتهم قبل فوات الأوان فهو العدل سبحانه حرم الظلم على نفسه وجعله محرما بين الناس.
وعجبت لمن يثني على فرعون من المسلمين ويقولون إن فرعون بكفره لم يضر إلا نفسه، فالتاريخ والآثار تشهد على إنجازاته، ونتعامى عن "منجزات" يصدح بها القرآن الكريم وقد تردد صداها في الحرب على غزة الأبية وحروب أخرى على المسلمين... قتل أصحاب الأخدود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمومنين شهود. ويقتل اليوم أبناء تونس ومصر كما أبيد شعب فلسطين ويباد... وحكامنا على عروشهم قعود شهود. استعلاء بالجاه والمال يتعدى الفرد لاستعباد الناس ومتى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا... وليتك يا مبارك تنفعك نصائحك، ألم تكن ناصحا أمينا لأخوك في الغطرسة والظلم " صدام" قبل رحيله لدار الجزاء. فقلت له بالحرف سنة 2003: "أنقذ العراق وأهل العراق و استقل" أستغفر الله أمرنا أن نذكر موتانا بخير، لكن كل يذكره فعله. إنا لله وإنا إليه راجعون و أنا للظالم أن يعي ما يقول فكيد الله متين. وهو سبحانه يمهل لأنه الرحمن الرحيم إذ لم يخلق البشر ليعذبهم بل ليكرمهم ، ولا يهمل مثقال ذرة لتجزى كل نفس بما كسبت.

