شهر رمضان منحة إلهية وعطاء رباني وهبه الكريم لهذه الأمة لتستزيد من الخير وتستكثر من الأعمال الصالحة، وهو فرصة ذهبية يغفر الله فيه الذنوب والخطايا ويرفع فيه الدرجات، أيامه معدودة ودقائقه محصورة فلا مجال فيه للهو والعبث وإلا ضاعت أثمن فرصة ففيه ليلة خير من ألف شهر. فحذار لأن هناك من يريد أن يسرق من المسلمين أوقاتهم الغالية فيبذل الغالي والنفيس لإلهائهم وقد حذرنا المولى الكريم منهم فقال عز من قائل:﴿ والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما﴾ [1].
إنها القنوات الفضائية العربية تدبر أكبر مكيدة للمسلمين، همها الوحيد إثارة المشاهدين وشدهم إليها وهي في خضم تنافس هائل فكل قناة تريد أن تكون الأحسن والأكثر إقبالا من طرف المشاهدين فتجلب لهم الفنان المشهور والفنانة المحبوبة - في نظرهم- وتنفق أموالا باهظة لإرضاء المشاهدين بل لربما تهيئ طيلة السنة ليكون عرضها في رمضان أجمل وأحسن. لكن لم كل هذا في هذا الشهر الكريم بالضبط؟ أليست السنة كلها للمشاهدين ألا يجدر بهم أن يحترموا قدسية هذا الشهر ووقته الثمين ويعطوا الإنسان فرصة لأن يغتنمه أحسن اغتنام لم يسعون جاهدين لأن يقدموا أجود ما لديهم في شهر رمضان فقط؟ هل ضاع المعنى الحقيقي لرمضان حتى أصبح الصوم حملا ثقيلا وشرا لا بد منه نتخلص منه بالترفيه ومشاهدة المسلسلات الدرامية والفكاهية والبرامج المسلية حتى نفوت وقته في أسرع ما يمكن فلا نحس بثقله؟؟؟ هكذا تصوره لنا قنواتنا المحلية التي تعتقد أن المواطنين سيكونون في أمس الحاجة لكثرة الضحك في شهر رمضان ليروحوا عن أنفسهم المنهكة بصيام لم يدركوا كنهه ولم يستشعروا فضله، فتطلع عليهم بكم هائل من المسلسلات الفكاهية والبرامج المسلية وبكل غث وسمين وبما لا يتناسب وأخلاقيات المسلم حتى أن السذج من الناس وخاصة الشباب ما يكادون يجدون وقتا لصلاة التراويح ولا لقراءة القرآن ولا لزيارة الأقارب ولا القيام بأي عمل صالح... بل يضلون فاغرين أفواههم أمام تلك الشاشة اللعينة التي تنهب أغلى أوقاتهم وتفرغهم من جدهم وحيويتهم فيصبحوا خاملين متعبين لاهين يبحثون عن المتعة واللذة والاسترخاء لا قدرة لهم على العمل ولا طاقة لهم على البناء. أهذا هو الجيل الذي يعول عليه في تنمية الوطن والنهوض به؟ أهذا هو الجيل الذي يساهم في بناء صرح الأمة وتحقيق عزتها وكرامتها؟ أي جيل هذا الذي تشبع بثقافة اللذة وأصبحت المتعة عقيدته ومبدأه أصبح لا يهتم بشيء غير إشباع رغباته والاستمتاع بحياته كما يقول، والوزر كل الوزر على من رسخ لديه هذا الفهم وأنشأه هذه التنشئة الفاسدة، فالإعلام له الحظ الأوفر في بث القيم أو الرذائل في المجتمع، فويل له من الوعيد الشديد الذي وعده به رب العالمين حيث يقول:﴿ ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون﴾ [2], والأمة الإسلامية اليوم في أمس الحاجة لشبابها أكثر من أي يوم مضى فهي تعيش أحلك أيامها، فمن يحرر فلسطين ويسترجع بيت المقدس يا ترى؟ هذا الفتى اللعوب أو ذلك الشاب اللاهي أو هذا الرجل الكسلان...رحمك الله يا صلاح الدين الأيوبي ففي فتوحاته كان يتجول في الليل بين خيام الجنود المرابطين فحين يجد شابا مقبلا على كتاب الله تلاوة وتدبرا وحفظا فإنه كان يقول«من هنا يأتي النصر» وحين يجد الشباب نيام في خيمة أخرى كان يقول«من هنا نؤتى» وبالفعل من الخمول واللهو والمجون أوتينا وأصبحنا قصعة القوم.
وقبل سقوط طليطلة كانت المخابرات الاسبانية تستطلع أحوال المسلمين قبل الهجوم عليهم، وما هجمت إلا بعدما بدأت تجد الشباب يبكون في الشوارع على هجران الخليلة.
فيا إعلامنا اتقوا الله في شبابنا ولتكن رسالتكم هادفة ومحفزة على الخير فنحن في شهر حقق فيه المسلمون انتصارات عدة من غزوة بدر الكبرى إلى ما بعد الفتوحات الإسلامية وكفانا هوانا وذلا. ونرجو أن يحقق المولى لأمتنا عزة وكرامة بحرمة هذا الشهر الفضيل آمين آمين والحمد لله رب العالمين.

