لم أتوقع يوما أن تكون بعض من أعراف الجاهلية لا تزال قائمة في هذا البلد الحبيب.
في ربوع بني ملال التي تختزن ذاكرتي الكثير من اللحظات السعيدة، يفوح منها عبق الليمون ورائحة أشجار الزيتون. تلك الارض الطيبة الخصبة، خصوبة أتذكرها في حفاوة جدي الذي كان يسعد بقدومنا، ويكرمنا أيما كرم، وكأنه يحاول ما أمكن أن يعوضنا عما هو آت.
ها أنا ذي أفاجأ بعد وفاته أن المرأة في وطني مهضومة الحقوق، لا تزال في القرن الواحد والعشرين محكومة بأعراف جاهلية تهضم حقوقها أمام مرأى ومسمع من القانون في بلد مسلم يوجد فيه فقهاء مسلمون. أمي وخالاتي والعديد من النساء السلاليات لا إرث لهن، لأن قدرهن أن أراضي الجموع لا تورث للنساء. لا لشيء إلا لأنهن نساء.
أي جرم اقترفن حتى تجثت جذورهن في دولة الحق والقانون، ويُغتصب حقهن وتوارى قضيتهن التراب.
توفي جدي الحبيب لأكتشف أن كرمه الذي كان يخص به الفتيات أكثر من الفتيان ونظراته التي كانت تحمل تساؤلات حيرى، كان كمن يعرف أن الأرض التي كانت تحتضننا بسخاء ستلفظنا يوما ما بجفاء وكأننا طفيليات تضر بخصوبة الأرض.
أمي الحبيبة لطالما أسندت ظهرك إلى شجرة الليمون وأظلتك شجرة الزيتون، فلماذا ترفضك الآن بعد موت الأب الحنون؟
نساء لم يبق لهن من هويتهن إلا الإسم، قدرهن أن الذكور استحسنوا عرفا وجدوه لصالحهم، واستحلوا حقوق نساء أميات عاجزات عن التغيير، عن الصراخ بأعلى صوتهن أن هذا ظلم وإجحاف باسم القانون.
خالتي-خ- المطلقة التي لا مأوى لها الآن ولا معين، لاجئة بالبيضاء تطرق باب جمعية نسائية، بعد هذا العمر، لتستفيد من مشروع تنموي بسيط، عزيزة قوم ذلت...
أما الخالة الوسطى العاقر، التي تصارع مرض السرطان، فتجد نفسها تتسول من القريب والبعيد، وحقها مهضوم لاتجد من يخفف عنها وطأة المرض وألم الوحدة.
م- الخالة الصغرى التي كانت سند جدي في شيخوخته بعد أن تخلى عنه الأبناء. تقله صباحا ومساءا على ظهرها وتجوب به البساتين القريبة، ضاربة بعرض الحائط أقاويل أبناء " الدوار" الذين رأوا فيها امرأة تحدّت المألوف، لم تلزم البيت ولم تستكن كمثيلاتها من "البورحمونيات". بل إن تضحيتها هذه فوتت عليها العديد من "الخطاب" لأنها حاملة لمسؤولية أخرى، ها هي ذي بعد وفاة الأب ترمى بعيدا عن أرضها التي ترعرعت فيها، بعيدا عن قبر أبيها الذي كانت أقرب الناس إليه.
ويأتي الأخ الذي لم يتعب في الأرض، لم يكد يرى أباه إلا كل حين وحين، حتى أنه لم يشهد اللحظات الأخيرة من حياته، يأتي ليستأثر بكل عائدات الأرض، لا لشيء إلا لأنه خلق ذكرا وخلقت أمي وخالاتي إناثا.
جدي – الحبيب –رحمة الله عليك – لطالما كبرت في عيني وأنت ترحب بالقريب والبعيد من ضيوفي بكرم وسعة صدر كنت أفتخر بهما بين قريناتي. أي أرض ترحب بي الآن وقد تنكرت لي الجذور؟ وأي غصن يظلني إذا أخذني الحنين إلى الأرض؟
أمي الحبيبة ما بالك لم ترضعيني حليب الغضب لتكبر في عيني القضية ؟ قضية أنني في الألفية الثالثة لازلت موءودة.
لماذا لم تخبريني طوال هذه السنين أن القانون في وطني العزيز لن يسمع صوتي المخنوق ولن ينصف المستضعفات أمثالي؟
كيف أخبر أبنائي أن البادية عشقهم الطفولي لاحق لهم فيها بعد الآن؟
كيف أقتلع لحظات من ذاكرتهم الموشومة بجمالية المكان؟
أية أكذوبة هي خصوبة أرض تختزن شحا وجورا في حق النساء؟
أية أكذوبة هو صفاء ونضارة طبيعة تختزن أنيابا كشرت فقط ضد النساء؟
أكذوبة هي كأكذوبة قوانين تقر ظلم وجورعرف جاهلي.
صمت خيم على أرجاء أرضنا بعد وفاة جدي رحمه الله، فأي ذراع مبتورة كنت تستندين أمي الحبيبة؟ صمت كصمت مدونة الأسرة التي لم تنطق إلا حين كانت تلمع الصورة الخارجية لبلدي الحبيب، لكنها لم تنطق الآن لتنصف أمي وخالاتي والعديد من النساء...
وتبقى هويتي، حريتي، وحقوقي حبيسة رفوف المحاكم والمساطر الطويلة المدى ودواليب الإجراءات البيروقراطية...
ولا سبيل للنساء السلاليات إلا أن يصبحن لاجئات الأقارب، مغتصبات الحقوق، أو أن يصرخن بأعلى أصواتهن على طريقة "حادة اؤعكي" في جبال الأطلس الشامخة، لعل صدى صراخهن يصل عنان السماء، أما الأرض في بني ملال فهي للمخزن يورثها من يشاء...

