هكذا رددتُ مذَكِّرَة تلامذتي بعيد الأم ، فاختاروا هدايا متنوعة، رتبتُها وزيَّنْتُها معهم، وصححتُ أخطاء عباراتهم البريئة الرقيقة المبثوثة على أوراق رسائلهم وأنا في قمة سعادتي...ومسحت دموع المبعدين عن أمهاتهم، وحنوت عمن فقدنهن بسبب الموت مذكرة إياهم أن حبل الوداد مازال متصلا، فخير هدية يقدمها الابن أو الابنة لأمه المتوفية دعوات خالصة لقوله عليه أزكى الصلاة والتسليم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به، أو صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له" [1]فكلنا على موعد محقق مع من سبقونا من الأحبة، وأنت ذاك الولد الصالح الذي قصده نبينا الحبيب، تدعو لوالديك في الحياة والممات.

أدرك يا أمي أن الطبيعة لبست أروع الألوان وتزينت بأبهى الحلل احتفاء بعيدك هذا، لكنني وقفت

مشدوهة متسائلة:«كيف يخصصون لك يا يوما واحدا في العام وقلبي ينبض بحبك، كل ثانية ودقيقة، كل فصل وسنة، فما وجدت جوابا، ثم خرجت أطوي المسافات باحثة في كل المتاجر عن هدية تليق بك يا نبع الحنان فما وجدت غير أن أضعك في عيني وأغطيك بأهداب جفوني، ألُفُّكِ بستار قلبي وأحيطك بظلال ذراعي وأحميك من زمهرير عاديات الزمان بدفء صدري...

كيف لا وقد تحملت الآلام والمعاناة لأجل سعادتي واستواء شخصيتي

لكم ذرفتِ من الدموع سرا حرصا منك على مشاعري

وحَافظتِ على عشك الرائع الذي نسجته بيديك الكريمتين

جَعلتِ من ظهرك سريرا وثيرا طالما نِمتُ عليه

حِكْتِ من صدرك وسادة اتخذْتُها متكأ راحتي

وقبلها حملْتِني تسعة أشهر وهنا على وهن

كم استيقظتِ كي أنام، وكم تعبتِ كي أستريح

وكم جُعتِ كي أشبع وكم عطشتِ كي أرتوي...

فتربعي يا أماه على قلبي واستريحي واخلدي، فأنت كنز العطاء والوجود...

أحبك أحبك أحبك يا أمي

[1] رواه مسلم.